ولما حثا الترابَ على رؤوسِهم كانوا نياما قد تساقطت سيوفُهم من أياديهم، والرسول عليه الصلاة والسلامُ يتلو عليهم: وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ.
لقد تعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يدعو إلى الله في مكة إلى أذى شديد من زعماء الكفار، ولقد كان قوي الشخصية شجاعًا في مواجهة هؤلاء الزعماء على الرغم مما كانوا عليه من قوة معنوية , ومكانة عالية بين العرب , فقد كانوا يقتلون بنظراتهم الحادة وألسنتهم السليطة كل ضعيف خوار,وكان العرب جميعًا يحترمونهم ويقدرون رأيهم لمكانتهم من خدمة بيت الله الحرام وجواره.
ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم واجههم بما يكرهون حينما أصروا على باطلهم , وتحداهم بما عجزوا عن مقاومته حتى أسقط سمعتهم الوهمية القائمة على الدجل واستغلال غفلة العقول ، فلم يكن منهم إلا أن ضاعفوا من كيدهم وأذاهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين به .
وقد جاءت روايات في بيان ماتعرض له رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأذى , فمن ذلك:
1 -ماأخرجه ابن إسحاق رحمه الله قال: حدثني يحيى بن عروة بن الزبير عن أبيه عروة بن الزبير عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال: قلت له: ما أكثر مارأيت قريشًا أصابوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما كانوا يظهرون من عداوته ؟ قال: حضرتهم وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجْر , فذكروا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر ذلك الرجل قط , قد سفه أحلامنا وشتم آباءنا , وعاب ديننا , وفرق جماعتنا , وسب آلهتنا , لقد صبرنا منه على أمر عظيم , أو كما قالوا .
فبينما هم في ذلك إذا طلع رسول الله صلى الله عليه وسلم فأقبل يمشي حتى استلم الركن , ثم مر بهم طائفًا بالبيت , فلما مر بهم غمزوه ببعض القول . قال: فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم .
قال: ثم مضى فلما مر بهم الثانية غمزوه بمثلها فعرفت ذلك في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثم مر بهم الثالثة فغمزوه بمثلها , فوقف ثم قال: أتسمعون يامعشر قريش ؟ أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذبح .
قال: فأخذت القوم كلمته حتى مامنهم رجل إلا كأنما على رأسه طائر واقع , حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك لَيَرْفَؤْه بأحسن مايجد من القول , حتى إنه ليقول: انصرف أبا القاسم, فو الله ماكنت جهولًا .
قال: فانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحِجْر وأنا معهم فقال بعضهم لبعض: ذكرتم مابلغ منكم , ومابلغكم عنه , حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه .
فبينما هو في ذلك طلع عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فوثبوا إليه وثبة رجل واحد , وأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا ؟ لما كان يقول من عيب آلهتهم ودينهم , فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: نعم أنا الذي أقول ذلك.
قال: فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بجمع ردائه . قال: فقام أبو بكر رضي الله عنه دونه, وهو يبكي ويقول: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله ! ثم انصرفوا عنه , فإن ذلك لأشد مارأيت قريشًا نالوا منه قط ( [1] ) .
وأخرجه أبو يعلى والطبراني بنحوه وفيه أن أبا جهل قال: يا محمد ماكنت جهولًا , فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أنت منهم".
ذكره الهيثمي وقال: وفيه محمد بن عمرو بن علقمة وحديثه حسن , وبقية رجال الطبراني رجال الصحيح ( [2] ) .
2 -أخرج الحافظ أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي بإسناده عن أسماء بنت أبي بكر أنهم قالوا لها: ما أشدُّ مارأيت المشركين بلغوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالت: كان المشركون قعدوا في المسجد يتذاكرون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومايقول في آلهتهم فبينما هم كذلك إذ دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقاموا إليه وكانوا إذا سألوا عن شيء صَدَقهم فقالوا: ألست تقول كذا وكذا ؟ فقال: بلى فتشبثوا به بأجمعهم .
فأتى الصريخ إلى أبي بكر فقيل له: أدرك صاحبك فخرج من عندنا وإن له غدائر ( [3] ) فدخل المسجد وهو يقول: ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله وقد جاءكم بالبينات من ربكم ؟ قال: فلهوا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأقبلوا على أبي بكر , فرجع إلينا أبو بكر فجعل لايمس شيئًا من غدائره إلا جاء معه , وهو يقول: تباركت ياذا الجلال والإكرام ( [4] ) .
وقد أشار الحافظ ابن حجر إلى هذه الرواية وقال: ولقصة أبي بكر هذه شاهد من حديث علي أخرجه البزار من رواية محمد بن علي عن أبيه أنه خطب فقال:من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت.
قال: أمَا إني مابارزني أحد إلا أنصفت منه , ولكنه أبو بكر , لقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذته قريش , فهذا يجره وهذا يتلقاه , ويقولون له: أنت تجعل الآلهة إلها واحدا , فو الله مادنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب هذا ويدفع هذا , ويقول: ويلكم أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله .