فهرس الكتاب

الصفحة 333 من 1236

عطف على جملة { وما منعنا أن نرسل بالآيات إلا أن كذب بها الأولون } [ الإسراء: 59 ] الدال على أنهم متصلبون في كفرهم مكابرون معاندون . وهذه زيادة في تسلية النبي حتى لا يأسف من أن الله لم يرهم آيات ، لأن النبي حريص على إيمانهم ، كما قال موسى عليه السلام { فلا يؤمنوا حتى يروا العذاب الأليم } [ يونس: 88 ] .

ويوجد في بعض التفاسير أن ابن عباس قال: في الشجرة الملعونة بنو أمية . وهذا من الأخبار المختلقة عن ابن عباس ، ولا إخالها إلا مما وضعه الوضاعون في زمن الدعوة العباسية لإكثار المنفرات من بني أمية ، وأن وصف الشجرة بأنها الملعونة في القرآن صريح في وجود آيات في القرآن ذكرت فيها شجرة ملعونة وهي شجرة الزقوم كما علمت . ومثل هذا الاختلاق خروج عن وصايا القرآن في قوله: { ولا تلمزوا أنفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الإيمان } [ الحجرات: 11 ] .

وجيء بصيغة المضارع في نُخوِّفهم للإشارة إلى تخويف حاضر ، فإن الله خوفهم بالقحط والجوع حتى رأوا الدخان بين السماء والأرض وسألوا الله كشفه فقال تعالى: { إنا كاشفو العذاب قليلا إنكم عائدون } [ الدخان: 15 ] فذلك وغيره من التخويف الذي سبق فلم يزدهم إلا طغيانًا . فالظاهر أن هذه الآية نزلت في مدة حصول بعض المخوفات .

وقد اختير الفعل المضارع في نخوفهم و { يزيدهم } لاقتضائه تكرر التخويف وتجدده ، وأنه كلما تجدد التخويف تجدد طغيانهم وعظم .

والكبير: مستعار لِمعنى الشديد القوى في نوع الطغيان . وقد تقدم عند قوله تعالى: { قل قتال فيه كبير } في سورة [ البقرة: 217 ] .

وقال السيد (1) :

لقد ارتد بعض من كان آمن بالرسول صلى الله عليه وسلم بعد حادثة الإسراء ، كما ثبت بعضهم وازداد يقينًا . ومن ثم كانت الرؤيا التي أراها الله لعبده في تلك الليلة { فتنة للناس } وابتلاء لإيمانهم . أما إحاطة الله بالناس فقد كانت وعدًا من الله لرسوله بالنصر ، وعصمة له من أن تمتد أيديهم إليه .

ولقد أخبرهم بوعد الله له وبما أطلعه الله عليه في رؤياه الكاشفة الصادقة . ومنه شجرة الزقوم التي يخوف الله بها المكذبين . فكذبوا بذلك حتى قال أبو جهل متهكمًا: هاتوا لنا تمرًا وزبدًا ، وجعل يأكل من هذا بهذا ويقول: تزقموا فلا نعلم الزقوم غير هذا!

فماذا كانت الخوارق صانعة مع القوم لو كانت هي آية رسالته كما كانت علامة الرسالات قبله ومعجزة المرسلين؟ وما زادتهم خارقة الإسراء ولا زادهم التخويف بشجرة الزقوم إلا طغيانًا كبيرًا؟

إن الله لم يقدر إهلاكهم بعذاب من عنده .

ومن ثم لم يرسل إليهم بخارقة . فقد اقتضت إرادته أن يهلك المكذبين بالخوارق . أما قريش فقد أمهلت ولم تؤخذ بالإبادة كقوم نوح وهود وصالح ولوط وشعيب . . ومن المكذبين من آمن بعد ذلك وكان من جند الإسلام الصادقين . ومنهم من أنجب المؤمنين الصادقين . وظل القرآن معجزة الإسلام كتابًا مفتوحًا لجيل محمد صلى الله عليه وسلم وللأجيال بعده ، فآمن به من لم يشهد الرسول وعصره وصحابته . إنما قرأ القرآن أو صاحب من قرأه . وسيبقى القرآن كتابًا مفتوحًا للأجيال ، يهتدي به من هم بعد في ضمير الغيب ، وقد يكون منهم من هو أشد إيمانًا وأصلح عملًا ، وأنفع للإسلام من كثير سبقوه . .

قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ (11) يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَضُرُّهُ وَمَا لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ هُوَ الضَّلَالُ الْبَعِيدُ (12) يَدْعُو لَمَنْ ضَرُّهُ أَقْرَبُ مِنْ نَفْعِهِ لَبِئْسَ الْمَوْلَى وَلَبِئْسَ الْعَشِيرُ (13) } سورة الحج

قال القرطبي (2) :

(1) - في ظلال القرآن - (ج 5 / ص 31)

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3718)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت