فهرس الكتاب

الصفحة 332 من 1236

وقال الطاهر بن عاشور (1) :

{ وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بالناس }

هذه تسلية للنبيء صلى الله عليه وسلم على حزنه من تكذيب قومه إياه ، ومن إمهال عتاة أعداء الدين الذين فتنوا المؤمنين ، فذكره الله بوعده نصرَه .

وقد أومأ جَعْلُ المسند إليه لفظ الرب مضافًا إلى ضمير الرسول أن هذا القول مسوق مساق التكرمة للنبيء وتصبيره ، وأنه بمحل عناية الله به إذ هو ربه وهو ناصره؛ قال تعالى: { واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا } [ الطور: 48 ] .

فجملة وإذ قلنا لك الخ يجوز أن تكون معطوفة على جملة { وما منعنا أن نرسل بالآيات } [ الإسراء: 59 ] ويجوز أن تكون معترضة .

و ( إذ ) متعلقة بفعل محذوف ، أي اذكُرْ إذ قلنا لك كلامًا هو وعد بالصبر ، أي اذكر لهم ذلك وأعدهُ على أسماعهم ، أو هو فعل اذكر على أنه مشتق من الذُّكر بضم الذال وهو إعادة الخبر إلى القوة العقلية الذاكرة .

والإحاطة لما عدي فعلها هنا إلى ذاتتِ الناس لا إلى حال من أحوالهم تعين أنها مستعملة في معنى الغلبة ، كما في قوله تعالى: { وظنوا أنهم أحيط بهم } في سورة [ يونس: 22 ] . وعُبِّرَ بصيغة المضي للتنبيه على تحقيق وقوع إحاطة الله بالناس في المستقبل القريب . ولعل هذا إشارة إلى قوله تعالى: { أو لم يروا أنا نأتي الأرض ننقصها من أطرافها } [ الرعد: 41 ] .

والمعنى: فلا تحزن لافترائهم وتطاولهم فسننتقم منهم .

عطف على جملة { وما منعنا أن نرسل بالآيات } [ الإسراء: 59 ] وما بينهما معترضات .

والرؤيا أشهر استعمالها في رؤيا النوم ، وتستعمل في رؤية العين كما نقل عن ابن عباس في هذه الآية ، قال: هي رؤيا عَيْن أريها النبي ليلة أسري به إلى بيت المقدس ، رواه الترمذي وقال: إنه قول عائشة ومعاوية وسبعة من التابعين ، سماهم الترمذي . وتأولها جماعة أنها ما رآه ليلة أسري به إذ رأى بيت المقدس وجعل يصفه للمشركين ، ورأى عِيرَهم واردة في مكان معين من الطريق ووصف لهم حال رجال فيها فكان كما وصف . ويؤيد هذا الوجه قوله: التي أريناك فإنه وصف للرؤيا ليُعلم أنها رؤية عين . وقيل: رأى أنه يدخل مكة في سنة الحديبية فرده المشركون فلم يدخلها فافتتن بعض من أسلموا فلما كان العام المقبل دخلها .

وقيل: هي رؤيا مصارع صناديد قريش في بَدر أريها النبي صلى الله عليه وسلم قبل ذلك أي بمكة . وعى هذين القولين فهي رؤيا نوم ورؤيا الأنبياء وحي .

والفتنة: اضطراب الرأي واختلال نظام العيش ، وتطلق على العذاب المكرر الذي لا يطاق ، قال تعالى: { إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات } [ البروج: 10 ] ، وقال: { يوم هم على النار يفتنون } [ الذاريات: 13 ] . فيكون المعنى على أول القولين في الرؤيا أنها سبب فتنة المشركين بازدياد بعدهم عن الإيمان ، ويكون على القول الثاني أن المرئي وهو عذابهم بالسيف فتنة لهم .

{ والشجرة } عطف على الرؤيا ، أي ما جعلنا ذكر الشجرة الملعونة في القرآن إلا فتنة للناس . وهذا إشارة إلى قوله تعالى: { إنها شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها كأنه رؤوس الشياطين فإنهم لآكلون منها فمالئون منها البطون } في سورة [ الصافات: 64 ، 66 ] ، وقوله: { إن شجرة الزقوم طعام الأثيم الآية } في سورة [ الدخان: 43 ، 44 ) ، وقوله: { إنكم أيها الضالون المكذبون لآكلون من شجر من زقوم } في سورة [ الواقعة: 51 ، 52 ] .

روي أن أبا جهل قال: زعم صاحبكم أن نار جهنم تحرق الحجر؛ ثم يقول بأن في النار شجرة لا تحرقها النار . وجهلوا أن الله يخلق في النار شجرة لا تأكلها النار . وهذا مروي عن ابن عباس وأصحابه في أسباب النزول للواحدي و «تفسير الطبري» . وروي أن ابن الزبعرى قال: الزقوم التمر بالزبد بلغة اليمن ، وأن أبا جهل أمر جارية فأحضرت تمرًا وزبدًا وقال لأصحابه: تمزقوا . فعلى هذا التأويل فالمعنى: أن شجرة الزقوم سبب فتنة مكفرهم وانصرافهم عن الإيمان . ويتعين أن يكون معنى جعل شجرة الزّقوم فتنة على هذا الوجه أن ذكرها كان سببَ فتنة بحذف مضاف وهو ذكر بقرينة قوله: { الملعونة في القرآن } لأن ما وصفت به في آيات القرآن لعْن لها .

ويجوز أن يكون المعنى: أن إيجادها فتنة . أي عذاب مكرر ، كما قال: { إنا جعلناها فتنة للظالمين } [ الصافّات: 63 ] .

والملعونة أي المذمومة في القرآن في قوله: طعام الأثيم [ الدخان: 44 ] وقوله: { طلعها كأنه رؤوس الشياطين } [ الصافات: 65 ] وقوله: { كالمهل تغلي في البطون كغلي الحميم } [ الدخان: 45 46 ] . وقيل معنى الملعونة: أنها موضوعة في مكان اللعنة وهي الإبعاد من الرحمة ، لأنها مخلوقة في موضع العذاب . وفي الكشاف: قيل تقول العرب لكل طعام ضار: ملعون .

(1) - التحرير والتنوير - (ج 8 / ص 261)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت