فهرس الكتاب

الصفحة 714 من 1236

واكتشف الأمر بعد، لقد كان هذا العابد يستتر بظلمة الليل وحلكة الظلام ينقل أكياس الطعام إلى أسر فقيرة لا يدرون من الذي كان يأتيهم بها، عرفوا بعدما مات فانقطعت تلك الصلة من الطعام.

ما الذي يحمل زين العابدين على أن يتوارى بعمل الخير ويستتر به؟

إن الذي يحمله على ذلك انتظار الجزاء الأخروي، يريد أن يوافي ربه بأجره موفورًا.

وكذا كل منا عليه أن يجعل بينه وبين ربه معاملة خاصة، سر بينه وبين الله يجهد جهده أن لا يطلع عليه أحد من الخلق حتى يوافي ربه بعمل يستوفي جزاءه منه.

الوقفة الأخيرة:

وما هي بأخيرة: أن في استحضار هذا الأمر مدد للسائرين في طريق العمل للدين والدعوة إلى الله.

إن الذي يشخص ببصره إلى الجزاء الأخروي ينظر إلى العوائق فإذا هي يسيرة.

وإلى الصعوبات فإذا هي هينة.

وإلى الضيق فإذا هو سعة لأنه ينتظر جزاء أتم وأوفى.

قتل مصعب بن عمير، وقتل حمزة بن عبد المطلب فلم يوجد ما يوارى به أحدهم إلا بردة، إن غطي بها رأسه بدت رجلاه، وإن غطيت بها رجلاه بدا رأسه، فأمر نبيك صلى الله عليه وسلم أن تغطى رؤوسهما وأن يوضع على أرجلهما من ورق الشجر.

هكذا انتهت حياة العمل للدين من غير أن يُتعجل شيء من أجورهم أو يروا شيئًا من جزائهم.

ولكن عند الله الموعد وعنده الجزاء الأوفى.

أصحاب الأخدود(1)

أيها المسلمون، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، بسم الله الرحمن الرحيم، وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالْيوْمِ الْمَوْعودِ وَشاهِدٍ وَمَشْهُودٍ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ [البروج:1-7] .

إن هذه الآيات تحملُ قصةَ أصحابِ الأخدود، هؤلاء الذين فتنوا في دينهم، هؤلاء الذين أحرقوا في خنادقِ النارِ مع نسائهم وأطفالِهم، وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد. وكان نكالًا دنيويًا بالغَ القسوة وجريمةً نكراء عندما يقادُ أولئك المؤمنون الأطهار إلى خنادقَ وحفر أضرمت فيها النار، هم ونساؤهم وأطفالهم؛ ليلقوا فيها، لا لشيء إلا لأنهم آمنوا بالله جل وعلا، حتى تأتي المرأةُ معها طفلُها الرضيعُ تحملُه، حتى إذا أوقفت على شفيرِ الحفرةِ والنارُ تضطرمُ فيها ترددت، لا خوفًا من النار ولكن رحمةً بالطفل، فيُنطقُ اللهُ الطفلَ الرضيع ليقولَ لها مؤيّدا مثبّتًا مصبِّرًا: يا أمّاه، اصبري فإنك على الحق، فتلقِي المرأةُ الضعيفةُ بنفسها وهي تحمل طفلها الرضيع في تلكم النار.

إنه مشهد مروّع وجريمة عظيمةٌ، يقصُ القرآنُ خبرها ويخبر بشأنها، فإذا هي قصة مليئة بالدروس مشحونة بالعبر، فهل من مدكر؟!

(1) -موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 4659) -ناصر بن محمد الأحمد -الخبر -24/8/1425 -النور

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت