فهرس الكتاب

الصفحة 713 من 1236

هذه عقوبات تتسرب إلى القلوب في غفلة من الناس ومن الظالمِ نفسه، ولكنها عقوبات بالغة الخطورة.

ولكن العبرة بالمصير، بالمصير، يوم يفضي هذا الظالم إلى الله جل جلاله فيوافي عقوبة لا يستطيع أحد من البشر، من الخلق الذين كانوا في الدنيا يحبونه، ويوالونه وينصرونه، لا يستطيع أحد منهم أن ينصره أو يكفيه أو يتحمل عنه شيئًا من العذاب.

كانوا في الدنيا يقولون له: نحن فداك، نحن نكفيك.

لكن في الآخرة لا فداء لأن الفداء نار تلظى، لأن الفداء نار شديدة محرقة وخلود فيها، فمن الذي يفدي؟

يُبَصَّرُونَهُمْ يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ وَفَصِيلَتِهِ الَّتِى تُوِيهِ وَمَن فِى الأرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنجِيهِ [المعارج:11-14] .

يود ذلك! لكن يأتي الجواب ..كلا:

كَلاَّ إِنَّهَا لَظَى نَزَّاعَةً لّلشَّوَى تَدْعُواْ مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى [المعارج:15-17] .

فمن الذي عنده استعداد للفداء.

أمة الإسلام، أيها المؤمنون بالله ولقائه نفضي من هذا كله إلى وقفات سريعة:

الوقفة الأولى:

أنا إذا رأينا إملاء اللهِ للظالمين وتمكينه للمجرمين فينبغي أن نعلم باليقين وإلا فنحن نعلم بالإيمان أن الجزاءَ مدخرٌ هناك، ولذا فلا دعي للبحث عن كوارث دنيوية تحل بهم.

إنك تشفق على بعض الطيبين عندما تراهم يجهدون أنفسهم في البحث عن عقوبة دنيوية حلت بهذا الظالم أو ذاك المجرم، حتى إذا لم يجدوا شيئًا قالوا الموت هو العقوبة.. كلا.

لقد مات الأطهار والأبرار والرسل الكرام، ولكن العبرة هناك في دار الجزاء.

الوقفة الثانية:

أن لا يغترَ أحدُ بأي مظهرٍ من مظاهر القوةِ أُتيها، فمظاهرُ القوةِ في الدنيا نسبية، ولكنها كلها على تفاوتها تتعطل حينما يوقفُ العبدُ بين يدي اللهَ جل جلاله.

إن الرجل يتمتع بقوة نسبية على المرأة تلك التي لا تملك إلا الدموع تستنصر بها.

لكن عليه أن يتذكر أنه إن ظلمها فلم تستطع أن تنتصر منه في الدنيا ومشى أمام الناس بطوله ورجولته فهناك موعد تذهب فيه قوته وقوامته ويتم القِصاص منه للمظلوم ولو كان ضعيفًا.

يتذكر شرطي المرور أو الدوريات:

أنه عندما يأمر بمسكين إلى التوقيف، ثم يوقف ذلك المسكين دون أن يساءل هو، وإن سئل فهو المصدق، ثم يذهب هو إلى بيته ويجلس إلى أهله ويتناول طعامه.

وذاك في التوقيف يحاول الاتصال بأهله هاتفيًا وقد لا يستطيع.

ليتذكر أن هذه القوة الدنيوية ستنمحي، ستنمحي، وسيوقف هو وهذا الذي ظلمه فلم يجد في الدنيا من ينتصر له، سيوقف هو وإياه بين يدي من ينتصر له.

ليتذكر الكفيل غربة العامل وحاجة العامل:

فيجور عليه ويكلفه بما ليس من عمله ويماطله في حقه، ليتذكر أن هذه الفوارق ستنتهي.

وهذه القوة الجزئية التي يتمتع بها ستنمحي.

وهذا الضعف الذي يهيمن على هذا العامل الآن سيذهب.

وسيوقفان جميعًا بين يدي رب لا يظلم أحدًا، وليس أمامه تمايز في القوى.

إن القوة التي تستمدها من جنسيتك أو بلدك ستذهب لأنك ستحشر ولكن ليس في بلدك، وستوقف أمام الله وليست معك جنسيتك، ولكن بين يدي رب لا يظلم أحدًا.

ليتذكر المسؤول الإداري مهما كانت منزلته، مهما كانت مسئوليته أنه عندما يجور على موظف بنقل تعسفي أو جور إداري وهو مطمئن إلى أن هذا الموظف لا يستطيع أن ينتصف منه في الدنيا، وأن المسؤول الأعلى مصدق له مكذب للموظف المسكين.

ليتذكر أن هذا يدور في أرض لا يعزب عن الله فيها شيء، وأن هذا التفاوت في القوة سينتهي وينمحي وستوقف أنت وإياه بين يدي رب لا يظلم أحدًا.

قد لا تفضي إليك العقوبة في الدنيا، قد تنال ترقياتك كاملة ورواتبك موفاة وتنال تقاعدك أو تأمينك بانتظام، بل وتموت من غير عاهة مستعصية، ولكن كل ذلك لا يعني أنك قد أفلت من العقوبة.

التاجر الذي يستغل ذكاءه التجاري فيدلس على محتاج أتى إلى سلعة:

ويستغل عبارة ركيكة مكتوبة في آخر الوصفة (البضاعة التي تشترى لا ترد ولا تستبدل) .

ينبغي أن يتذكر أن هناك موقفًا لا تجديه فيه هذه الورقة، ولا ينفعه فيه الذكاء التجاري لأنه موقف بين يدي علام الغيوب المطلع على السر وأخفى.

ليتذكر كل من يتمتع بأي مظهر من مظاهر هذه القوة أن هذه القوة وإن كثرت وقويت فهي تنتهي سريعًا وتمضي جميعًا.

والعبرة بالمثول بين يدي رب تنتهي كل موازين القوى أمامه جل وتقدس وتعالى.

أما أنت أيها المظلوم فتذكر أن الله ناصرك لا محالةَ لأنك في ملكِ من حرم الظلمَ على نفسه، وحرمَه بين عباده، وسينتهي بك المصيرُ إلى يومٍ يقتصُ اللهُ فيه للشاة الجماء من الشاة القرناء، فكيف بك أنت!

لن يفوت شيء من حقك في الآخرة وإن فات في الدنيا.

الوقفة الثالثة:

أن هذا المعنى وهو انتظار الجزاء الأخروي كما هو دافع رهبة فهو دافع رغبة.

توفي زين العابدين على بن الحسين، فلما وضع على لوح الغسل وجد المغسلون في أكتافه ندوبًا سوداء، فتفكروا ! مم أتت هذه الندوب في ظهر هذا الرجل الصالح؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت