ثم ذاع أمر الغلام واشتهر بين الناس ، وأجرى الله على يديه الكرامات من شفاء المرضى وإبراء الأكمه والأبرص ، وكان يتخذ من ذلك وسيلة لنشر دعوته وتبليغ رسالته ، حتى وصل خبره إلى الملك عن طريق جليسه الذي دعا له الغلام فشفاه الله ، وشعر الملك من كلام الوزير ببوادر فتنة تهدد عرشه ، عندما صرح بالألوهية والربوبية لغيره ، فأراد أن يعرف أصل هذه الفتنة ومصدرها ، حتى وصل إلى الغلام ثم إلى الراهب ، وأراد أن يصدهم عن ما هم عليه ، فأبوا واحتملوا العذاب والقتل على الكفر بالله ، وأما الغلام فلم يقتله قتلا مباشرا كما فعل مع الوزير والراهب ، بل استخدم معه طرقا متعددة لتخويفه وإرهابه ، طمعا في أن يرجع عن ما هو عليه ، ويستفيد منه في تثبيت دعائم ملكه ، وفي كل مرة ينجيه الله ، ويعود إلى الملك عودة المتحدي ، وكان الناس يتابعون ما يفعله الغلام خطوة بخطوة ، ويترقبون ما سيصل إليه أمره ، فلما يئس الملك من قتله أخبره الغلام أنه لن يستطيع ذلك إلا بطريقة واحدة يحددها الغلام نفسه ، ولم يكن الغلام يطلب الموت أو الشهادة ، بل كان يريد أن يؤمن الناس كلهم ، وأن يثبت عجز الملك وضعفه، في مقابل قدرة الله وقوته ، فأخبره أنه لن يستطيع قتله إلا بأن يجمع الناس في صعيد واحد ، ويصلبه على خشبة ، ثم يأخذ سهمًا - وليس أي سهم ، بل سهمًا من كنانة الغلام - ويرميه به قائلًا: بسم الله رب الغلام .
وكان للغلام ما أراد ووقع السهم في صدغه ثم وضع يده على مكان السهم ومات ، وما كاد الغلام أن يسقط ميتًا ويتنفس الملك الصعداء بعد أن ظن أنه اقتلع هذه الفتنة من جذورها ، حتى تنادى الناس من كل حدب وصوب مؤمنين بالله جل وعلا ، مرددين:"آمنا برب الغلام".
وهنا جن جنون الملك ، وثارت ثائرته ، فقد وقع الأمر الذي كان يحذره ومن أجله قتل الغلام ، فحفر الأخاديد ، وأضرم فيها النيران ، وتوعد كل من أصر على دينه بأن يقذف فيها ، ولكن هيهات بعد أن كسر الغلام حاجز الخوف والرهبة في نفوسهم ، وبين لهم بأبلغ رسالة وأفصح بيان عجز الملك وضعفه أمام قدرة الله وقوته ، فرضي الناس بالتضحية بالنفس في سبيل الله ، على الرغم من أنه لم يمض على إيمانهم إلا ساعات قلائل بعد الذي عاينوه من دلائل الإيمان ، وشواهد اليقين ، وأنطق الله الرضيع عندما تقاعست أمه عن اقتحام النار، فكانت آية ثبت الله بها قلوب المؤمنين
إن هذه القصة تبين لنا قاعدة مهمة من قواعد النصر ، وهي أن الانتصار الحقيقي هو انتصار المبادئ والثبات عليها ، وأن النصر ليس مقصورًا على الغلبة الظاهرة ، فهذه صورة واحدة من صور النصر الكثيرة ، وأن الحياة الدنيا وما فيها من المتاعب والآلام ليست هي الميزان الذي يوزن به الربح والخسارة ، لقد انتصر هذا الغلام عدة مرات في معركة واحدة وموقف واحد ، انتصر بقوة فهمه وإدراكه لأقصر وأسلم الطرق لنصرة دينه وعقيدته ، وإخراج أمته ومجتمعه من الظلمات إلى النور ، وانتصر بقدرته على اتخاذ القرار الحاسم في الوقت المناسب ، متخطيا جميع العقبات ، ومستعليا على الشهوات ، ومتاع الحياة الدنيا ، وانتصر عندما تحقق ما كان يدعو إليه وما قدم نفسه من أجله ، وانتصر عندما فاز بالشهادة في سبيل الله ، وانتصر عندما خلد الله ذكره في العالمين ، وجعل له لسان صدق في الآخرين ، صحيح أن الناس كلهم يموتون ، ولكنهم لا ينتصرون جميعًا هذا الانتصار
خالد بن محمد الشارخ
الرياض
اللحيدان
أيها المسلمون: سنعيش هذه الجمعة حدثًا حدث في تاريخ العالم أو قل بلاء ثبت فيه المؤمنون الصادقون بلاء وأي بلاء، إنه بلاء تزول له الجبال الرواسي، وتنقطع دونه الأرواح الأوابي، بلاء تتفطر الأسماع عند سماعه، وتجود العيون عند فصوله وأحداثه.
نعم، إن الحدث وقع على لحم ودم، ولكنه الإيمان حينما تخالط بشاشته القلوب.
إن القلوب حين يباشرها الإيمان ويستقر في سويدائها يهون عليها كل عسير، ويلذذ لها كل صعب وخطير، فتصبح الآلام راحةً، والعذاب نعيمًا، والبكاء فرحًا.
وسترى في هذا الحدث العظيم كيف يصنع الإيمان الرجال وإن كانوا صغارًا في السن وربما ازدرتهم الأعين أو استقلتهم النفوس، لكن الإيمان يسموا بهم فيصنعون ما لا يصنعه الرجال.
غلام صغير يبتلى ويؤذى ويعرض للقتل مرارًا بل يذهب به إلى القتل فيمشي وكأنه يزف ليوم زفافه، غلام داعية إلى الله، غلام يحمل في نفسه همّ إصلاح الناس، يحمل في طياته وكوامن نفسه همّ هداية الناس إلى الدّين وإلى عبادة الله وحده لا شريك له، ويجود هذا الغلام بكل وسيلة وطريقة لإصلاح الناس حتى إذا نفذ ما لديه من ذلك جاد بأعلى ما يملك جاد بحياته، جاد بروحه رجاء هداية الناس، فكان ما أراد.
وإذا كانت النفوس كبارًا …تعبت في مرادها الأجسام
(1) -موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1430)