فهرس الكتاب

الصفحة 840 من 1236

هذا وإن تلك الدموع الغالية التي تحدرت من عيني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - تبين لنا خطورة الموقف وصعوبة الأمر عليه، حيث كان بين أمرين كل واحد منهما شاق على نفسه، لكن إيقاع عمه في الحرج أهون عليه كثيرًا من التنازل عن دعوته، بل لا مقارنة بين الأمرين لأن أحدهما صعب والآخر مستحيل.

وإنه من أجل الخروج من هذا المأزق وإصدار القرار السامي الذي لا خيار له فيه فإنه لابد لصاحب النفس الكريمة التي بلغت نهاية الكمال البشري في السمو الأخلاقي أن يعبر عن أساه وأسفه لصاحب المعروف الكبير عليه أن أوقعه في حرج كبير وأدخله في معركة حامية مع قومه، في الوقت الذي كان يتوسل إليه أن لا يوقعه في ذلك، فكانت الدموع الزكية أبلغ تعبير عن ذلك الأسى والأسف.

إن دموع فحول الرجال الأشداء غالية، وتكون أشد غلاء حينما تنحدر من عيني من بلغ الكمال في كل معاني الرجولة، وإن غلاء تلك الدموع ليصور لنا جسامة المسؤولية التي تحملها رسول الله - صلى الله عليه وسلم- واستهان من أجلها بكل ما تعارف عليه البشر من الأخلاق والأعمال التي تتعارض معها.

( [1] ) أي شق ذلك عليهم.

( [2] ) أي لا يزيل عتبهم بالرجوع عما أنكروه.

( [3] ) أي ظهر له فيه رأي جديد.

( [4] ) السيرة النبوية لابن هشام 1/261 264.

( [5] ) التاريخ الكبير 7/51 رقم 230،

المستدرك 3/577، دلائل النبوة للبيهقي، 2/186

187، مجمع الزوائد 6/14.

( [6] ) المطالب العالية 4/192 رقم 4278

د. حمدي شلبي

الثبات خلق من الأخلاق الإسلامية، فالمؤمن مطمئن الإيمان، ثابت الجنان، لا تهزه الرياح، ولا تحركه العواصف، ولا تغيره نوائب الدهر، لأنه واثق بأن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، كما أنه على يقين من أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوه بشيء لن ينفعوه إلا بشيء قد كتبه الله له، وإن اجتمعت على أن يضروه بشيء لن يضرره إلا بشيء قد كتبه الله عليه، وأنه قد رفعت الأقلام وجفت الصحف.

هذا بالنسبة للمؤمنين من أتباع النبي محمد - صلى الله عليه وسلم -فما بالنا بمعلم هذه الحقائق، وبمن هو قدوة لغيره بقوله - تعالى: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا (21) (الأحزاب) ، هذا النبي الذي أنزل عليه قوله - تعالى: قتل أصحاب الأخدود (4) النار ذات الوقود (5) إذ هم عليها قعود (6) وهم على"ما يفعلون بالمؤمنين شهود (7) وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد (8) الذي له ملك السموات والأرض والله على"كل شيء شهيد (9) إن الذين فتنوا المؤمنين والمؤمنات ثم لم يتوبوا فلهم عذاب جهنم ولهم عذاب الحريق 10 (البروج) .

وهو الذي قصَّ قصة الغلام والساحر والراهب كما ورد في الصحيح من قول الغلام لأمه:"قعي ولا تقاعسي، فإنك على الحق يا أماه".

وهو النبي - صلى الله عليه وسلم -الذي خاطبه ربه بقوله: وكلا نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى"للمؤمنين 120 (هود) . وبقوله: وقال الذين كفروا لولا نزل عليه القرآن جملة واحدة كذلك لنثبت به فؤادك ورتلناه ترتيلا 32 (الفرقان) ."

فهذه الآيات تدل على أن الله ربى محمدًا تربية خاصة تتناسب مع العبء الذي سيتحمله، والمشاق التي ستواجهه من أهل مكة إيذاء لا نظير له، ومن أهل الطائف، بسبب أنه يقول: ربي الله، مما جعله يدعو ربه:"اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين، أنت رب المستضعفين وأنت ربي، إلى مَنْ تكلني؟ إلى بعيد يتجهمني، أو إلى عدو ملَّكته أمري؟، إن لم يكن بك عليَّ غضب فلا أبالي، ولكن عافيتك أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الذي أشرقت له الظلمات وصلح عليه أمر الدنيا والآخرة من أن تنزل بي غضبك أو تحل عليَّ سخطك، لك العتبى حتى ترضى، ولا حول ولا قوة إلا بك". ويمضي على ثباته واستعانته بالله - تعالى - حتى يأتي فرج الله ونصره لدينه.

وإليك بعض صور ثبات النبي - صلى الله عليه وسلم -في دعوته:

أولًا: اشتد إيذاء الكفار للنبي - صلى الله عليه وسلم -بعد موت عمه أبي طالب وزوجته خديجة أم المؤمنين - رضي الله عنها - فكان يستهزئ به السفهاء، ويؤذونه بألوان شتى من الإيذاء، وكان يتحمل ويصبر وينشر كلمة التوحيد، بالليل والنهار، ولم يزده إيذاء المشركين إلا ثباتًا وبذلًا لمزيد من الجهد في تبليغ الدعوة، وهو في كل ذلك يُسفه آلهتهم، ويفضح سفاهة عقولهم.

ثانيًا: حصار النبي وصحبه في شعب من أبي طالب:

تعاهد أهل مكة على أن يقوموا بحصار النبي وصحبه، فكانوا لا يبيعون ولا يشترون ولا ينكحون ممن آمن بالنبي - صلى الله عليه وسلم -أو حتى لو بقي على كفره، واستمر ذلك ثلاث سنوات، فما زاد ذلك النبي إلا ثباتًا على الحق الذي يدعو إليه، والهدى الذي يجب أن يسير في ظلاله كل عاقل، إذ كان النبي - صلى الله عليه وسلم -واثقًا بنصر الله له، ولدينه.

ثالثًا: ثباته يوم حنين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت