أقول هذا القول وأسأل الله تعالى أن يثبت أقدامنا وينصرنا على القوم الكافرين.
اللهم إنا نعوذ بك من جهد البلاء ودرك الشقاء وسوء القضاء وشماتة الأعداء ،ونسألك خشيتك في الغيب والشهادة ،وكلمة الحق في الغضب والرضا والقصد في الفقر والغنى ،اللهم وأحسن عاقبتنا في الأمور كلها وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة.
وأستغفر الله لي ولكم من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
أما بعد:
قال الله تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون، وقال تعالى: أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم مستهم البأساء والضراء وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله إلا إن نصر الله قريب. وقال رسول الله كما في البخاري: (( قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له حفرة في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمنشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه وعظمه فما يصده ذلك عن دينه ،والله ليتمن هذا الأمر - حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخشى إلا الله والذئب على غنمه ولكنكم تستعجلون ) ).
إن الدنيا من مبتداها إلى منتهاها دار ابتلاء وغاية وجود المؤمن فيها إرضاء الله تبارك وتعالى ،ولمثل هذا فليعمل العاملون ،وعلى مثل هذا فلينافس المتنافسون.
فالمسلم لا يحزن لدنيا ولا تذهب نفسه حسرات ولا يستسلم إذا رأى من على غير الجادة هم أهل صولة وجولة في الدنيا ،في الوقت الذي يرى فيه إخوانه المؤمنون ،قلة في العدد والعدة والمال ،فإن كل هذا من الابتلاء.
وإن مما يزيد طمأنينة المؤمن ويقوي صبره إذا علم هذه النقاط الست:
1 -أن الابتلاء فيه تكفير للسيئات: عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ،عن النبي قال: (( ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم ،حتى الشوكة يشاكها ،إلا كفر الله بها من خطاياه ) ) [متفق عليه] .
2 -رفع المنزلة والدرجة عند الله تعالى ،المؤمن إذا ابتلاه الله فصبر على بلواه ،لا تكفر عنه سيئاته فحسب بل يجزل الله له أيضًا في الثواب ويرفع مكانته عند الناس وفي الجنة.
3 -المكافأة في الدنيا ،وذلك بأن يعوضهم الله ما فقدوه ،ومن هذا القبيل ما حدث لأيوب عليه السلام.
4 -إخلاص النفوس لله ،فإن الابتلاء من شأنه أن ينقي النفوس من الشوائب والقلوب من الرياء والعمل من الشرك ويوجهها نحو الإخلاص.
5 -إظهار الناس على حقيقتهم. فمن الناس من يدعي الصبر وليس بصابر ،ويدعي الزهد وليس بزاهد، فإن الابتلاء لا تطيقه كل النفوس. ومن هنا كان الابتلاء لتمييز أصحاب الهمم العالية والنفوس القويمة والعزائم الفتية المؤمنة ،من أصحاب الهمم الضعيفة والنفوس الساقطة والعزائم الخائرة.
6 -الإقتداء بالصابرين: وفي هذا حافز للمؤمن أن يصبر ويصابر ويتحمل كما صبر أولئك الصابرون المؤمنون، فينال ما نالوا من الرضا والقبول والنعيم المقيم في الآخرة والعزة في الدنيا.
صالح بن عبد العزيز آل الشيخ
الرياض
جامع الطريري
الخطبة الأولى
أما بعد:
فيا أيها المؤمنون اتقوا الله حق التقوى، عظموا أمر الله وعظموا نهي الله باستجابتكم لأوامر الله وبالبعد عن مناهي الله فبذلكم تكون التقوى.
أيها المؤمنون: إن الله جل جلاله بيده ملكوت السموات والأرض فله الملك كله، يقدر ما يشاء على عباده فيفيض عليهم الخيرات ويمنع عنهم المسرات ويفيض تارة ويمنع تارة، يبسط الرزق لمن شاء، ويقدر على آخرين أن يضيق، وهذا ابتلاء من الله جل وعلا.
ولذلك الابتلاء حكم عُليا جليلة يجب على المؤمنين أن يرعوها وأن يتعلموا ويعْلموا الأصول الشرعية التي جاءت في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم التي تبين حقيقة الابتلاء والقصد منه كما أخبر الله جل وعلا أنه يبلو الناس بالشر تارة وبالخير تارة، وكل ذلك فتنة، يكون فتنة لمن أصابه الخير والسراء، ويكون فتنة لمن أصابه السوء والضراء وكل ذلك داخل في ابتلاء الله، في اختبار الله للناس.
فعلى هذا، الناس أفرادًا وجماعات تارة يبتلون بالخير وتارة يبتلون بالمصائب، وكل ذلك هو في حكمة الله جل وعلا، فهو الذي يقدر ما يشاء ويقضي بما يشاء، له الملك كله وله الحكم كله، في كل ما يجري في ملكوته.
كل ما يجري في ملكوته بدون استثناء فإنما هو صادر عن أمره، موافق لحكمته، موافق لمشيئته جل وعلا، ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فطائفة من الناس يفيض عليهم الله جل وعلا الخيرات والنعم والمسرات.
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 1453)