نعم ،إن عبء الإيمان شاق وكبير. ولكنه سهل ويسير على من يسّره الله عليه إنها سهلة على تلك النفوس التي تعرف أن العبء عندما يكون كبيرًا ،يكون جزاؤه ومثوبته أكبر وأجل عند الله: إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدّعون نزلًا من غفور رحيم.
إنه لا غرابة ،فكلما عظم الثمن المقدم ،عظم المثمن المستوفى ،فالشهيد الذي قدم نفسه ،وباع حياته لله ،عوضه الله بدلًا من هذه الحياة بحياة أفضل ونعيم أكمل. كم من محنة تحمل في طياتها منح ورحمات ،وكم من بلية ،يكون بعدها فرج وكرامات ،إن المؤمن الواثق بربه ،لا يفقد صفاء العقيدة ونور الإيمان ،إن هو فقد من صافيات الدنيا ما فقد ،بل يقف أمام كل عاصفة بيقين أرسى من الجبال ،وعلم بالله لا يرقى إليه شك.
أما ضعيف الإيمان ،ذلك الإنسان الجزوع المتردد الخائف فإن ضعف إيمانه ويقينه ،يُنفّره من الصبر أمام الابتلاءات ،ويضيق عليه المسالك إذا نزلت به نازلة ،أو حلت به كارثة ،ضاقت عليه الأرض بما رحبت ،وتعجل الخروج فيما دخل ،متعلقًا بما يضره ولا ينفعه.
إنه لو استشعر قول الله تعالى: الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم استشعارًا حقيقيًا ،وأيقن بأن الخلق والرزق والإحياء والإماتة كله بيد الله ،ما خاف من أي مخلوق مهما بلغ من عز أو منزلة ،لأنه لا أحد يستطيع قطع رزق أو رد مقدور أو انتقاص أجل: الله الذي خلقكم ثم رزقكم ثم يميتكم ثم يحييكم.
إن من فقد الثقة بربه ،اضطربت نفسه ،وساء ظنه ،وكثرت همومه ،وضاقت عليه المسالك ،وعجز عن تحمل الشدائد.
أما أمر المؤمن فكله خير ،إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له ،وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ،ولا يكون ذلك إلا للمؤمن ،بهذا صح الخبر عن نبينا صلوات الله وسلامه عليه.
فيا أيها الأخ المؤمن: إنك وأمثالك من المؤمنين في هذه الحياة ،معرضون لألوان من الابتلاء بخير أو بشر ،بخير كالمال والصحة والولاية ،وبشر كالمرض والآفات وتسلط الأعداء ،أما ابتلاء الخير ليرى هل تؤدي حق الله فيما أعطيت من مال بأداء ما أوجب الله عليك فيه.
وهل قَصَرْت النفس حال الصحة على المأمورات وكبحت جماحها عن ارتكاب المنكرات. وهل أديت حق الله فيما استُخلفت عليه من مصالح المسلمين قال الله تعالى: ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون وقال عز وجل: الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر هذا شيء من صور وألوان ابتلاء الخير.
أما ابتلاء الشر ،فكما قلت ليس لإهانة أو تعذيب ،لكن لتقوية الإيمان وحصول على المثوبة بالصبر على البلاء. كما حصل لنبي الله أيوب عليه السلام من الابتلاء بالمرض الذي بلغ به أن تخلى عنه جميع أهله.
وكما حصل لأبينا إبراهيم عليه السلام من تسلط قومه عليه وإلقائهم إياه في النار.
وكما حصل لنبينا محمد صلى الله عليه وسلم من الأذى والمضايقة والتآمر ضده تلك المؤامرة التي فضحها القرآن في قوله: وإذ يمكر بك الذين كفروا ليثبتوك أو يقتلوك أو يخرجوك ويمكرون ويمكر الله والله خير الماكرين.
فماذا كان بعد ذلك؟ ماذا كان؟ أما أيوب عليه السلام ،فكشف الله ضره وأتاه أهله ومثلهم معه رحمة من الله وذكرى لأولي الألباب ،وأما إبراهيم عليه السلام فإن الله تعالى قال للنار التي أُججت لإحراقه: كوني بردًا وسلامًا على إبراهيم وجعله أمة يقتدى به إن إبراهيم كان أمة قانتًا لله حنيفًا ولم يك من المشركين بل وجعل له لسان صدق في الآخرين.
وأما نبينا ورسولنا محمد فقد نجاه الله جل وتعالى وأفلته من تلكم المؤامرة الدنيئة ،وخرج من مكة مختفيًا مطاردًا ،ثم يعود إليها بعد بضع سنوات ،تعد قليلة في عمر الزمن ،يعود ليطل على مكة من أعلى طريق فيها ،فاتحًا لها ،بل عاد ليطل لا على مكة وحدها ،بل ليطل على الدنيا كلها ،وعلى هذه الأمة جميعها ،يوجهها إلى رب واحد ،وقبلة واحدة ،وقيادة واحدة ،ويصبح هو إمامها وقائدها المبلغ عن الله إلى يوم القيامة. بل وفرطها على الحوض وشفيعها عند الله ،وفاتح باب الجنة لها.
أيها الأحبة في الله ،أيها المؤمنون المبتلون شئتم أم أبيتم ،اتقوا الله تعالى ،اتقوا الله واثبتوا على إيمانكم الذي جاء من عند الله واصبروا على ما قد تبتلون به ،وما كلفتم به من الله ،وأدوا حق الله فيما أعطاكم وفيما حملكم من أمانة ،ولا يطغينكم عزٌ أو رخاءٌ أو صحة أو ثراء ،ولا يضعفنكم الشدائد والأحداث والمصائب والمضايقات، فما هي إلا برهة من الزمن قليل ثم يأتي فرج الله ونصره ومثوبته لمن قام بأمره ،وإن استغرق ذلك وقت الدنيا كلها فإنها لا شيء في حساب وعمر الآخرة.
كما جاء وحصل لأيوب وإبراهيم ومحمد عليهم السلام ولأتباعهم ممن ابتلوا وأُوذوا في الله ،وستكون العقبى لأتباعهم كما كان لهم من قبل: فإن مع العسر يسرًا إن مع العسر يسرًا وقال سبحانه: سيجعل الله بعد عسر يسرًا.