فهرس الكتاب

الصفحة 319 من 1236

وقد يحتمل العنت في نفسه ولا يحتمله في زوجه وولده . فيبخل ويجبن ليوفر لهم الأمن والقرار أو المتاع والمال! فيكونون عدوًا له ، لأنهم صدوه عن الخير ، وعوقوه عن تحقيق غاية وجوده الإنساني العليا . كما أنهم قد يقفون له في الطريق يمنعونه من النهوض بواجبه ، اتقاء لما يصيبهم من جرائه ، أو لأنهم قد يكونون في طريق غير طريقه ، ويعجز هو عن المفاصلة بينه وبينهم والتجرد لله . . وهي كذلك صور من العداوة متفاوتة الدرجات . . وهذه وتلك مما يقع في حياة المؤمن في كل آن .

ومن ثم اقتضت هذه الحال المعقدة المتشابكة ، التحذير من الله ، لإثارة اليقظة في قلوب الذين آمنوا ، والحذر من تسلل هذه المشاعر ، وضغط هذه المؤثرات .

ثم كرر هذا التحذير في صورة أخرى من فتنة الأموال والأولاد . وكلمة فتنة تحتمل معنيين:

الأول أن الله يفتنكم بالأموال والأولاد بمعنى يختبركم ، فانتبهوا لهذا ، وحاذروا وكونوا أبدًا يقظين لتنجحوا في الابتلاء ، وتخلصوا وتتجردوا لله . كما يفتن الصائغ الذهب بالنار ليخلصه من الشوائب!

والثاني أن هذه الأموال والأولاد فتنة لكم توقعكم بفتنتها في المخالفة والمعصية ، فاحذروا هذه الفتنة لا تجرفكم وتبعدكم عن الله .

وكلا المعنيين قريب من قريب .

وقد روى الإمام أحمد بإسناده عن عبد الله بن بريدة: سمعت أبي بريدة يقول: « كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب ، فجاء الحسن والحسين رضي الله عنهما عليهما قميصان أحمران ، يمشيان ويعثران فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم من المنبر فحملهما ، فوضعهما بين يديه . ثم قال: صدق الله ورسوله ، إنما أموالكم وأولادكم فتنة . نظرت إلى هذين الصبيين يمشيان ويعثران ، فلم أصبر حتى قطعت حديثي ورفعتهما » . ورواه أهل السنة من حديث ابن واقد . فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وهذان ابنا بنته . . وإنه لأمر إذن خطير . وخطر . وإن التحذير والتنبيه فيه لضرورة يقدرها من خلق قلوب الناس ، وأودعها هذه المشاعر ، لتكفكف نفسها عن التمادي والإفراط ، وهي تعلم أن هذه الوشائج الحبيبة قد تفعل بها ما يفعل العدو ، وتؤدي بها إلى ما تؤدي إليه مكايد الأعداء!

ومن ثم يلوح لها بما عند الله بعد التحذير من فتنة الأموال والأولاد ، والعداوة المستسرة في بعض الأبناء والأزواج . فهذه فتنة { والله عنده أجر عظيم } . .

قال تعالى: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ} (24) سورة التوبة

قال القرطبي (1) :

لما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة من مكة إلى المدينة جعل الرجل يقول لأبيه والأبُ لابنه والأخُ لأخيه والرجل لزوجته: إنا قد أمِرنا بالهجرة؛ فمنهم من تسارع لذلك ، ومنهم من أبى أن يهاجر ، فيقول: والله لئن لم تخرجوا إلى دار الهجرة لا أنفعكم ولا أنفق عليكم شيئًا أبدًا . ومنهم من تتعلّق به امرأته وولده ويقولون له: أنشدك بالله ألاّ تخرج فنضيع بعدك؛ فمنهم من يَرِقّ فيَدَع الهجرة ويقيم معهم؛ فنزلت { ياأيها الذين آمَنُواْ لاَ تتخذوا آبَآءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَآءَ إَنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان } . يقول: إن اختاروا الإقامة على الكفر بمكة على الإيمان بالله والهجرة إلى المدينة . { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مِّنكُمْ } بعد نزول الآية { فأولئك هُمُ الظالمون } . ثم نزل في الذين تخلّفوا ولم يهاجروا: { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ } وهي الجماعة التي ترجع إلى عقَدْ واحد كعقدِ العشرة فما زاد؛ ومنه المعاشرة وهي الاجتماع على الشيء . { وَأَمْوَالٌ اقترفتموها } يقول: اكتسبتموها بمكة . وأصل الاقتراف اقتطاع الشيء من مكانه إلى غيره . { وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا } قال ابن المبارك: هي البنات والأخوات إذا كسدن في البيت لا يجدن لهن خاطبًا . قال الشاعر:

كسَدْن من الفقر في قومهنّ ... وقد زادهنّ مقامي كُسودا

{ وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَآ } يقول: ومنازل تعجبكم الإقامة فيها . { أَحَبَّ إِلَيْكُمْ } من أن تهاجروا إلى الله ورسوله بالمدينة . «وأحَبّ» خبر كان . ويجوز في غير القرآن رفع «أحب» على الابتداء والخبر ، واسم كان مضمر فيها . وأنشد سيبويه:

إذا مِتُّ كان الناسُ صِنفانِ: شامِتٌ ... وآخَرُ مثْنٍ بالذي كنتُ أصنَع

وأنشد:

هي الشفاء لدائي لو ظفِرتُ بها ... وليس منها شفاءُ الداءِ مبذول

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 2396)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت