فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 1236

وفي الآية دليل على وجوب حبّ الله ورسوله ، ولا خلاف في ذلك بين الأُمة ، وأن ذلك مقدّم على كل محبوب . وقد مضى في «آل عمران» معنى محبة الله تعالى ومحبة رسوله . { وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ } صيغته صيغة أمْرٍ ومعناه التهديد . يقول: انتظروا . { حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ } يعني بالقتال وفتحِ مكة؛ عن مجاهد . الحسن: بعقوبة آجلة أو عاجلة . وفي قوله: { وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ } دليلٌ على فضل الجهاد ، وإيثاره على راحة النفس وعلائقها بالأهل والمال . وسيأتي فضل الجهاد في آخر السورة . وقد مضى من أحكام الهجرة في «النساء» ما فيه كفاية ، والحمد لله . وفي الحديث الصحيح:"إن الشيطان قَعَد لابن آدم ثلاثَ مقاعد قعد له في طريق الإسلام فقال لِمَ تَذَر دينَك ودينَ آبائك فخالفَه وأسلم وقعد له في طريق الهجرة فقال له أتذر مالك وأهلك فخالفه وهاجر ثم قعد في طريق الجهاد فقال له تجاهد فتُقتل فينْكح أهلك ويُقسم مالك فخالَفه وجاهد فحق على الله أن يدخله الجنة"وأخرجه النَّسائيّ من حديث سَبَرة بن أبي فاكِه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إن الشيطان . . ."فذكره . قال البخاريّ: «ابن الفاكِه» ولم يذكر فيه اختلافًا . وقال ابن أبي عَدِيّ: يُقال ابن الفاكِه وابن أبي الفاكِه . انتهى .

وقال الرازي (1) :

اعلم أن المقصود من ذكر هذه الآية أن يكون جوابًا عن شبهة أخرى ذكروها في أن البراءة من الكفار غير ممكنة وتلك الشبهة إن قالوا إن الرجل المسلم قد يكون أبوه كافرًا والرجل الكافر قد يكون أبوه أو أخوه مسلمًا ، وحصول المقاطعة التامة بين الرجل وأبيه وأخيه كالمتعذر الممتنع ، وإذا كان الأمر كذلك كانت تلك البراءة التي أمر الله بها ، كالشاق الممتنع المتعذر ، فذكر الله تعالى هذه الآية ليزيل هذه الشبهة . ونقل الواحدي عن ابن عباس أنه قال: لما أمر المؤمنون بالهجرة قبل فتح مكة فمن لم يهاجر لم يقبل الله إيمانه حتى يجانب الآباء والأقارب إن كانوا كفارًا ، قال المصنف رضي الله عنه: هذا مشكل ، لأن الصحيح أن هذه السورة إنما نزلت بعد فتح مكة ، فكيف يمكن حمل هذه الآية على ما ذكروه؟ والأقرب عندي أن يكون محمولًا على ما ذكرته ، وهو أنه تعالى لما أمر المؤمنين بالتبري عن المشركين وبالغ في إيجابه ، قالوا كيف تمكن هذه المقاطعة التامة بين الرجل وبين أبيه وأمه وأخيه ، فذكر الله تعالى: أن الانقطاع عن الآباء والأولاد والأخوان واجب بسبب الكفر وهو قوله: { إِنِ استحبوا الكفر عَلَى الإيمان } والاستحباب طلب المحبة يقال: استحب له ، بمعنى أحبه ، كأنه طلب محبته . ثم إنه تعالى بعد أن نهى عن مخالطتهم ، وكان لفظ النهي ، يحتمل أن يكون نهي تنزيه وأن يكون نهي تحريم ، ذكر ما يزيل الشبهة فقال: { وَمَن يَتَوَلَّهُمْ مّنكُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظالمون } قال ابن عباس: يريد مشركًا مثلهم لأنه رضي بشركهم ، والرضا بالكفر كفر ، كما أن الرضا بالفسق فسق . قال القاضي: هذا النهي لا يمنع من أن يتبرأ المرء من أبيه في الدنيا ، كما لا يمنع من قضاء دين الكافر ومن استعماله في أعماله .

اعلم أن هذه الآية هي تقرير الجواب الذي ذكره في الآية الأولى ، وذلك لأن جماعة من المؤمنين قالوا يا رسول الله ، كيف يمكن البراءة منهم بالكلية؟ وأن هذه البراءة توجب انقطاعنا عن آبائنا وإخواننا وعشيرتنا وذهاب تجارتنا ، وهلاك أموالنا وخراب ديارنا ، وإبقاءنا ضائعين فبين تعالى أنه يجب تحمل جميع هذه المضار الدنيوية ليبقى الدين سليمًا ، وذكر أنه إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية عندكم أولى من طاعة الله وطاعة رسوله ومن المجاهدة في سبيل الله ، فتربصوا بما تحبون حتى يأتي الله بأمره ، أي بعقوبة عاجلة أو آجلة ، والمقصود منه الوعيد .

ثم قال: { والله لاَ يَهْدِى القوم الفاسقين } أي الخارجين عن طاعته إلى معصيته وهذا أيضًا تهديد ، وهذه الآية تدل على أنه إذا وقع التعارض بين مصلحة واحدة من مصالح الدين وبين جميع مهمات الدنيا ، وجب على المسلم ترجيح الدين على الدنيا . قال الواحدي: قوله: { وَعَشِيرَتُكُمْ } عشيرة الرجل: أهله الأدنون ، وهم الذين يعاشرونه ، وقرأ أبو بكر عن عاصم { وعشيراتكم } بالجمع والباقون على الواحد . أما من قرأ بالجمع ، فذلك لأن كل واحد من المخاطبين له عشيرة ، فإذا جمعت قلت: عشيراتكم . ومن أفرد قال العشيرة واقعة على الجمع واستغنى عن جمعها ، ويقوي ذلك أن الأخفش قال: لا تكاد العرب تجمع عشيرة على عشيرات إنما يجمعونها على عشائر ، وقوله: { وأموال اقترفتموها } الاقتراف الاكتساب .

(1) - تفسير الرازي - (ج 7 / ص 485)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت