فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 1236

قال تعالى: {لَا تَجْعَلُوا دُعَاء الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاء بَعْضِكُم بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (63) سورة النور

قال القرطبي (1) :

قوله تعالى: { لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } يريد: يَصيح من بعيد: يا أبا القاسم! بل عظّموه كما قال في الحُجُرات { إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ الله } [ الحجرات: 3 ] الآية . وقال سعيد بن جُبير ومُجاهد: المعنى قولوا يا رسول الله ، في رِفق ولِين ، ولا تقولوا يا محمد بتجهُّم . وقال قتادة: أمرهم أن يشّرفوه ويفخّموه . ابن عباس: لا تتعرضوا لدعاء الرسول عليكم بإسخاطه فإن دعوته موجبة . { قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذًا } التسلّلل والانسلال: الخروج . واللِّواذ من الملاوذة ، وهي أن تستتر بشيء مخافة مَن يراك؛ فكان المنافقون يتسلّلون عن صلاة الجمعة . «لِوَاذًا» مصدر في موضع الحال؛ أي متلاوذين ، أي يلوذ بعضهم ببعض ، ينضم إليه استتارًا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ لأنه لم يكن على المنافقين أثقل من يوم الجمعة وحضور الخطبة؛ حكاه النقاش ، وقد مضى القول فيه . وقيل: كانوا يتسلّلون في الجهاد رجوعًا عنه يلوذ بعضهم ببعض . وقال الحسن: لواذًا فرارًا من الجهاد؛ ومنه قول حسان:

وقريشٌ تجول منا لِوَاذا ... لم تحافظ وخَفّ منها الحُلُوم

وصحّت واوها لتحركها في لاوذ . يقال: لاوذ يلاوِذ ملاوذة ولِواذًا . ولاذ يلوذ ( لواذًا ) ولِياذا؛ انقلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها اتباعًا للاذ في الاعتلال؛ فإن كان مصدرَ فاعَل لم يُعَلّ؛ لأن فاعَل لا يجوز أن يُعَلّ .

قوله تعالى: { فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } بهذه الآية احتجّ الفقهاء على أن الأمر على الوجوب . ووجهها أن الله تبارك وتعالى قد حذّر من مخالفة أمره ، وتوعّد بالعقاب عليها بقوله: { أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } فتحرُم مخالفته ، فيجب امتثال أمره . والفتنة هنا القتل؛ قاله ابن عباس . عطاء: الزلازل والأهوال . جعفر بن محمد: سلطان جائر يُسلّط عليهم . وقيل: الطبع على القلوب بشؤم مخالفة الرسول . والضمير في «أَمْرِهِ» قيل هو عائد إلى أمر الله تعالى؛ قاله يحيى بن سلام . وقيل: إلى أمر رسوله عليه السلام؛ قاله قتادة . ومعنى { يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ } أي يُعرضون عن أمره . وقال أبو عبيدة والأخفش: «عن» في هذا الموضع زائدة . وقال الخليل وسيبويه: ليست بزائدة؛ والمعنى؛ يخالفون بعد أمره؛ كما قال:

.. . لم تَنْتَطِق عن تَفَضُّلِ ... ومنه قوله: «فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ» أي بعد أمر ربه . و «أن» في موضع نصب بِ «يَحْذر» . ولا يجوز عند أكثر النحويين حذِر زيدًا ، وهو في «أن» جائز؛ لأن حروف الخفض تحذف معها .

قوله تعالى: { ألا إِنَّ للَّهِ مَا فِي السماوات والأرض } خلقًا وملكًا . { قَدْ يَعْلَمُ مَآ أَنتُمْ عَلَيْهِ } فهو يجازيكم به . و «يعلم» هنا بمعنى علم . { وَيَوْمَ يُرْجَعُونَ إِلَيْهِ } بعد ما كان في خطابٍ رجع في خبر؛ وهذا يقال له: خطاب التلوين . { فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ } أي يخبرهم بأعمالهم ويجازيهم بها . { والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمُ } من أعمالهم وأحوالهم .

ختمت السورة بما تضمنت من التفسير ، والحمد لله على التيسير .

وقال الرازي (2) :

قوله تعالى: { لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَاء الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا } ففيه وجوه: أحدها: وهو اختيار المبرد والقفال ، ولا تجعلوا أمره إياكم ودعاءه لكم كما يكون من بعضكم لبعض إذ كان أمره فرضًا لازمًا ، والذي يدل على هذا قوله عقيب هذا { فَلْيَحْذَرِ الذين يخالفون عَنْ أَمْرِهِ } وثانيها: لا تنادوه كما ينادي بعضكم بعضًا يا محمد ، ولكن قولوا يا رسول الله يا نبي الله ، عن سعيد بن جبير وثالثها: لا ترفعوا أصواتكم في دعائه وهو المراد من قوله: { إِنَّ الذين يَغُضُّونَ أصواتهم عِندَ رَسُولِ الله } [ الحجرات: 3 ] عن ابن عباس ورابعها: احذروا دعاء الرسول عليكم إذا أسخطتموه فإن دعاءه موجب ليس كدعاء غيره ، والوجه الأول أقرب إلى نظم الآية .

(1) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 3996)

(2) - تفسير الرازي - (ج 11 / ص 379)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت