فهرس الكتاب

الصفحة 1144 من 1236

إن الأولى بك أن تشكر الله أبدًا على ما أنعم عليك من الإيمان والهدى والعمل في سبيله، لأن مجرد التشكيك في ذلك يعقبه التمرد على فرائض الله، وبالتالي سيحبط عملك فتكون من الخاسرين الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا. فإن كنت تعاني المصاعب؛ فعدوك وعدو الله بدوره يعاني كما تُعاني، ولكنك ينبغي أن ترجو من الله. وقد قال ربنا العظيم: (إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ اْلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ(، وقال أيضًا: (وَلاَ تَهِنُوا فِي ابْتِغَآءِ الْقَوْمِ إِن تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لاَ يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا((النساء/104) . فهذه هي سنّة الصراع في الحياة، ولا يجدر بك أن تتصور حلول الأذى والقهر والهزيمة والمعاناة بعدوك فحسب، وأن شيئًا من ذلك لن يمسك أو يصل إليك، لأن السنّة الحياتية في الصراع اقتضت أن تكون الدنيا يوم لك ويوم عليك (وَتِلْكَ اْلأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَآءَ وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ(.

ومن هنا؛ كانت النوازل والمحن والشدائد التي يقع فيها الإنسان ويتعرض لها عبارة عن عملية تطهير لما كان يرتكبه من ذنوب وخطايا، فكان من المفترض به التسليم لأمر الله وقضائه والتعامل مع طبيعة تعرضه للمحن من منظار إيجابي وإيماني ينتهي به إلى الصبر والصمود والاستقامة.

إن المؤمن حينما يدرك حقيقة الحياة وفلسفتها، ويدرك أنه ماثل أمام قانون الموت والفناء، ويدرك حقيقة الحكمة الإلهية بتعريض ابن آدم للمحن والفتن، حينما يدرك ذلك كله سترتفع عنه حجب الخوف والتردد، ولن يعتبر - إذ ذاك - المشاكل والصعاب والمحن عائقًا في طريقه، وهو سيمضي غير مبالٍ بكل ما يلاقيه ويصادفه، لا سيما وأن الله تبارك اسمه سوف يسدد خطاه ويقوي عزيمته.

وإدراك الإنسان لكل هذه الحقائق التي أوضحناها من شأنه دفعه الى صقل ذاته وإظهار أصالة معدنه ونقائه وقوته، وذلك بمواصلة مسيرته في العمل والجد والجهاد والمثابرة، ابتغاء مرضاة الله ونيل العزة والكرامة في الدنيا والآخرة.

إن من مسؤوليات الإنسان الذاتية التي لا يمكنه تبرير التقاعس والتكاسل عن أدائها بسبب من الأسباب هي أن يدرك هذه الحقائق كي يطور شخصه ويصقل جوهره ومعدنه، وذلك ما لا يكون دون التوجه الى بصائر القرآن الكريم وهضمها واستيعابها والإلمام بها. ولعل البصائر التي حوتها الآيات المتقدمة من سورة آل عمران تمثل برنامجًا أساسيًا لتطوير المعدن الإنساني ولتحدي الصعوبات والفتن بحول الله وقوته.

نسأله سبحانه وتعالى أن يثبت أقدامنا، وأن يعيننا على أنفسنا، وأن يصلح كل عيب فيها، لنكون من الصادقين في البأساء والضراء، وأن يجعلنا من الصابرين ويلحقنا بعباده الصالحين محمدٍ وآله الهداة الميامين وأصحابه الغر الميامين والحمد لله رب العالمين.

ترى ما هي الجدوى من الإستمرار في الكفاح والجهاد على الرغم من أن الظروف جميعها تعاكسنا، ولماذا نبذل الجهود الكبيرة، ولماذا هذا العطاء الذي يبدو لا نهاية له؟ أوَليس من العبث أن يتعب المؤمنون أنفسهم، ويبلون شبابهم في الدعوة الى الله تبارك وتعالى، والتفرّغ في سبيله، والمثابرة في طلب العلم.. وهم يرون أن أعمالهم تذهب - في الظاهر - سدىً؟ فالكفار والمستكبرون لا يتركون المؤمنين ولو للحظة واحدة يعملون ضدّهم، فهم يلاحقونهم في كلّ مكان، ويطاردونهم أينما ذهبوا.... فلماذا -إذن- الاستمرار في الجهاد والدعوة الى الرسالة الإسلامية مادام الأمر كذلك؟

إن هذه القائمة الطويلة من التساؤلات تمثّل أفكارًا سلبية تبثّها أجهزة الأعلام الظاهرة منها والخفية هنا وهناك، ولا سيّما في هذه الظروف التي يعيش فيها المسلمون الصعاب، وتتراكم السلبيات، وتتواصل الهزائم.

الأيام دول بين الناس

إنّ التأريخ، كل التأريخ، لم يكن في يوم من الأيام خالصًا صافيًا بشكل دائم للمؤمنين، وكذلك الحال بالنسبة الى غير المؤمنين، فالله سبحانه وتعالى يداول الأيام بين الناس، وهذه المداولة تمثّل في الدنيا سنّة إلهية أبدية، فالدنيا يومان؛ يوم لنا، ويوم علينا، وعندما يحلّ يوم الشدّة والضعف والانكسار نجد أن هذه الأفكار السلبية تنتشر بسرعة عجيبة.

الإجابات الشافية في القرآن

ولأنّ القرآن الكريم هو علاج لكلّ الأمراض، وإجابة على كلّ الأسئلة التي أثيرت أو من الممكن أن تثار في المستقبل بشأن عمل المؤمنين، وبالصراع الحاد القائم بين جبهة الايمان وجبهة الكفر والضلال، فاننا نجد إجابات شافية عن كل تلك التساؤلات وبالتحديد في سورة هود، هذه السورة التي نستطيع أن نصفها بأنها سورة الاستقامة والجهاد المتواصل رغم الظروف المعاكسة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت