قد لا يكون خافيًا أن الإنسان عرضةً للإصابة بنوعين من الأمراض؛ النوع الأول، هو الأمراض المادية التي تصيب الجسد، حيث جعل الله سبحانه وتعالى الإحساس بها دليلًا عليها، حتى أضحى هذا الإحساس نعمة إلهية تساعد المريض على الإسراع في المعالجة. أما النوع الثاني، وهو الأخطر والأفتك، فهو الأمراض النفسية والمعنوية. ولعل هذا النوع يعد من أكبر المصائب التي تلم بالإنسان، إذ أن للشيطان اليد الطولى في وجودها، وهي مثل التكبر والغرور والحسد والبخل والحرص، لأنها تحجب المرء عن الإحساس والشعور بسائر الأمراض النفسية الأخرى. وإن ما يجعل الإنسان يحفظ جوهره، هو ثباته واستقامته في حياته وحذره الدائم من وساوس الشيطان والنفس الأمارة بالسوء، وتعزيزه لإرادته وتحديه للفتن والبلاء وملمات الدهر.
الإعداد والاستعداد
إن المطلوب من الإنسان أن يضع نفسه في حالة ترويض دائمة، ليزداد صلابةً وأصالةً. أما أن يعمد الى ترويض نفسه في ساعة الإمتحان والفتنة، فهذا ما لن يفيده شيئًا، مثله في ذلك مثل طالب المدرسة الذي يتوجب عليه مطالعة درسه واستيعابه وحفظه قبل أوان الامتحان النهائي، لأنه لن يعود لدى الامتحان بإمكانه استيعاب العلم أو حفظ المعلومات.
ولقد تضمن القرآن الكريم العديد من المفاهيم والتوجيهات والبصائر الواضحة ما لو تم استيعابها واستلهامها لخلق روح التصدي والمقاومة ولحافظ على أصالة المعدن الإنساني ولزاد في نقائه وخلوصه.
ومن جملة تلكم المفاهيم والبصائر في هذا المجال أخذ العبرة والاتعاظ بالتاريخ الإنساني ومجرياته وأحداثه؛ ومنها قول الله جل جلاله: (قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُمْ سُنَنٌ فَسِيرُوا فِي اْلأرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ(. فالمراد بالسنة حسب معناها الظاهر الآثار المتبقية من تاريخ الأمم السالفة، وكيف آلت مصائر الشعوب المنحرفة. فالله سبحانه وتعالى يؤكد ضرورة البحث والنظر والتدقيق في ذلك المآل الذي انتهت إليه الأمم المكذبة لتحاشي الوقوع في المصير الأسود نفسه.
والذي أراه أن دراسة التاريخ وسبر أغواره ضرورة حضارية ودينية وثقافية؛ بل إن كل الضرورات قد تجمعت وتكرست في هذه الدراسة والبحث في التاريخ الإنساني، وها هو القرآن الكريم قد أعطانا عصارة التاريخ وبيّن لنا محطاته الاستراتيجية ومنعطفاته المهمة، ونحن بوسعنا الرجوع الى التفاصيل التي تعج بها كتب التاريخ والروايات الواردة عن أئمة أهل البيت عليهم الصلاة والسلام لاستيعاب المزيد من العبر التاريخية.
الزهراء عليها السلام نموذج المعدن الطاهر
لقد اتسمت حياة سيدتنا فاطمة الزهراء عليها السلام بالصمود والثبات والاستقامة على الحق، مما جعل سيرتها الذاتية قدوة واسوة، لا سيما بعد وفاة أبيها النبي الأكرم صلى الله عليه وآله والتحاقه بالرفيق الأعلى. فلقد انهالت عليها المصائب والآلام والمحن والمظالم، ولكنها واجهت كل ذلك بالصبر والتحمل حتى فارقت الحياة مظلومة مهظومة. وقد روي عن الإمام الحسن العسكري عليه السلام أنه قال:"نحن حجة الله على خلقه وأُمّنا فاطمة عليها السلام حجة الله علينا". (1) وهذا الحديث الشريف يعكس حقيقة كبرى، إذ أن كل ما اجتمع وتراكم على قلب الزهراء عليها السلام من مصائب وهموم قد توزع وتفرق على أبنائها الأئمة المعصومين عليهم الصلاة والسلام. ولقد تحدت سيدة النساء الظروف الحالكة والمصاعب الأكيدة، ما لم يكن باستطاعة أقوى الرجال تحملها وتحديها.
وعلى ذلك؛ فإن الأجدر بنا - نحن الذين نأمل شفاعة الزهراء عليها السلام- أن ندرس حياتها من هذه الزاوية؛ زاوية التحدي والصلابة ونقاء المعدن والاستقامة على الحق.
إن إنسانًا وأمة يبتني وجودهما ويقوم كيانهما على تضحيات أهل البيت عليهم السلام ودمائهم ودماء الشهداء المقتدين بهم، لابد لهما من أن يكونا صامدين مقاومين يتحديان العالم بطواغيته وجبابرته، وإنّ ( هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ( .
التراجع يعني الردّة..
يخطأ كثيرًا هذا الذي يأسف ويندم على ما قام به من عمل في سبيل الله، مهما كانت أسباب الندم، فالله تعالى ينهى عنه ويعتبره خروجًا عن الإيمان، وهو القائل سبحانه: (وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ اْلأَعْلَوْنَ إِن كُنْتُم مُؤْمِنِينَ(. فلا يقولنّ أحد: لِمَ جاهدتُ؟ ولأجل من ضحيت؟ وعلامَ هاجرتُ؟ فهذا خطأ وكفر بنعمة الإيمان التي رزق الله، لأن الإنسان مسؤول عن القيام بواجبه في هذا المجال على أحسن وجه ممكن، وليس مسؤولًا عن الانتصار أو جني الثمار. ثم هل كان خيرًا لك لو أنك أضعت حياتك وشبابك وطاقاتك في اللهو والمتاهات وإشباع الشهوات الرخيصة في الحانات ومراكز الفساد الاخلاقي؟!