فهرس الكتاب

الصفحة 1142 من 1236

ومن خلال شيء من التفكير في قوله تبارك وتعالى: (لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الَّذِينَ ءَامَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ((التين/4-6) نعرف إن عملية الخلق خاصة بإرادة الله وحدها. ولكن الاستفادة من نعمة الخلق هذه بوسيلة الإيمان والعمل الصالح رهن بإرادة الإنسان، فهو حينما يخلق، يخلق بفطرة نقية طيبة مثالية، ثم إن طبيعته تبدأ في المسير في طريقين؛ الأول هو طريق التسامي والتكامل، وهو الطريق المنسجم مع فطرته النزيهة ووجدانه وصبغته التي صبغه الله بها. أما الطريق الثاني فهو طريق التسافل والانحطاط بسبب العوامل المضادة لهذه الفطرة، كالشهوات والأهواء وسورات الغضب وسوء التربية وضحالة البيئة وعوامل التاريخ والسياسة والاقتصاد وغير ذلك مما طبيعته التأثير في جوهر الإنسان وتبديل معدنه الأصيل الى معدن زائف. فهو إن لم يسلك سبيل الهدى والرشاد والعمل الصالح وما تمليه عليه الفطرة النزيهة، كان من المحكوم عليه بالانجراف والانحطاط إلى سبيل أسفل سافلين الذي أشارت إليه الآية المتقدمة الذكر. ولكنه إن قاوم العوامل السلبية كان قد أنقذ نفسه فسما وارتقى سلّم التكامل الإنساني، حتى كان بإمكانه أن يسبق الملائكة.

إذن؛ فإن بمستطاع معدني ومعدنك أن يصبحا معدنين أصليين وخالصين بما نعلنه من إرادة خيّرة ونقوم به من عمل صالح، وهما الوسيلتان اللتان يأمر العقل والإيمان بالاستفادة منهما.

إن الله قد حكم على الإنسان وقضى بأن يعرّض للامتحان حتى آخر لحظة من لحظات حياته، لأن حياة الإنسان شيء خلقه الله، وهو ذو إرادة مطلقة في التصرف فيها كيف يشاء، ثم إن الشيطان وجنوده لا ينفكون عن ملاحقة ابن آدم حتى تلك اللحظة الرهيبة التي يفارق عندها الحياة. وها هي النفس الأمارة بالسوء لا يروي غليلها إلاّ وقوع الإنسان الدائم وتعثره، وعليه فإن تعريض الإنسان للامتحان هو الأمر الوحيد والكفيل بكشف معدنه؛ على الأقل كشفه لنفسه ومعرفة من أي الأنواع هو.

ومن هنا؛ فليس محمودًا لابن آدم القنوط من رحمة الله واليأس من روحه

فيما لو تنبه إلى واقعه وقد كان من المسرفين على أنفسهم، لأن هذا القنوط يزيده إسرافًا ويغرقه في الكفر ويجرعه كأس الدمار حتى الثمالة.

كما ليس محمودًا له أيضًا أن يحدث نفسه - فيما بقي من له من عمر- بأن سفينته قد رست على شاطيء الأمان، باعتبار أن الله قد امتحنه وابتلاه بما فيه الكفاية، فلا داعٍ لابتلاء جديد. كلاّ؛ فالأمر ليس بأُمنيته ورغبته، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي يحدد وقت وكيفية الابتلاء دون غيره. وما يدري ابن آدم أن ضلاله قد يكون بوسوسة شيطانية واحدة ينهار لها في آخر لحظة من حياته، وما يدريه أن الله قد يغفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر بداعي قيامه بعمل صالح يتصوره بسيطًا وهو عند الله كبير. ولهذا ورد في المأثور من الدعاء عن أبي الحسن الأول عليه السلام:"اللهم إني أعوذ بك من العديلة عند الموت" (1) أي الانحراف في آخر لحظة، كما ورد أيضًا:"ولا تكلني إلى نفسي طرفة عين أبدًا" (1) نظرًا لأن المؤمن مسؤول عن أن يظل في سعيه وجدّه واجتهاده ومثابرته؛ مستقيمًا على القيام بالعمل الصالح حتى آخر رمق في حياته، كي يضمن حكم الله بحسن العاقبة عليه، وهي - بلا شك - أهم ما يمكن أن يحصل عليه الإنسان، لضمان المزيد من الرفعة والسمو الى الدرجات الأعلى ما أمكن.

الأسوة الحسنة في رسول الله صلى الله عليه وآله

ولقد بلغ الرسول الأكرم صلى الله عليه وآله بذاته وجده واجتهاده وسيرته المباركة مبلغًا جعله حريًّا بسيادة الأنبياء والرسل جميعًا، وقد علا وسما ما تعجز حتى الملائكة عن تصوره؛ ففي ليلة المعراج الى السماء اخترق نبينا الأعظم حجب النور وبحاره وسرادقات العرش حتى وصل موقفًا لم يعد جبرائيل عليه السلام - وهو المرافق له في معراجه - يتجرأ على تخطيه، ولكن النبي دنا ودنا حتى كان قاب قوسين أو أدنى. ولكن رغم هذا الاقتراب النبوي الشديد من العظمة والجبروت الإلهي، إلا أنه ظل ممتلئًا رهبةً وخشية من العلي الأعلى في تلكم اللحظات التي هي أسعد اللحظات وأعظمها بهاءً وروعة في حياة الإنسان على الإطلاق. فيا ترى ما بالنا نحن وما عليه من الإسراف على أنفسنا؟!

سبيل الإستقامة والثبات

إن العامل الوحيد الذي يساعدنا في الحفاظ على خلوص معدننا ونزاهة جوهره هو التنبه الدائم والحذر الشديد والواعي من مكر الشيطان وجنوده من الجن والإنس حتى آخر لحظة نتنفّس فيها، وهو يعني الإستقامة في مسيرة التقوى والخشية من الله عز وجل حتى يأتينا النداء الإلهي الحاسم: (يَآ أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً((الفجر/27-28) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت