وكان من الطبيعي أن حوادث الحياة ومستجداتها وطوارئها وما تجره من ظروف وأحوال شاقة ومحن وآلام- وهي بمجموعها تمثل المحك والامتحان الكاشف لحقيقة معدن وشخصية هذا الإنسان وتلك الأمة - لا تزيد المعدن الطيب إلاّ طيبةً وصلابةً ومتانةً، بينما يكاد المعدن الخبيث الضعيف يتلاشى ويضمحل وينصهر، ذائبًا في بوتقة ملمات الدهر؛ لأن من طبعه الميل مع كل ريح، والتهاوي لأدنى تحدٍ.
وقد تجد إنسانًا ذا مظهر بسيط جدًا في أداء ما عليه من فرائض وواجبات دينية ضمن الأجواء التقليدية، ولكنك قد تكتشف معدنه الطيب والأصيل حينما تواجهه بوسط يخالف معتقداته ومبادئه؛ بل لعلك ستراه ملتزمًا كل الالتزام ومتمسكًا بكل ما يمليه عليه دينه، فيجاهد في سبيل الله لا تأخذه في ذلك لومة لائم، فضلًا عن إقامته الرائعة لصلاته وصيامه وسائر واجباته الدينية الأخرى.
إن معدن الإنسان العظيم يتجلى لدى الشدائد والملمات وتواتر الفتن والضغوط التي تخلقها ظروف الحياة.. تمامًا كما الذهب الذي يتجلى نقاؤه وخلوصه بتعريضه للنار، بينما تتلاشى المعادن الواطئة وتتبدل وتفقد ما كان يعتبر خواص ذاتية لها في السابق.
معدن الإنسان ليس ماديًا
إذا كان الذهب ذهبًا بذاته، وأنه لم يخلق طبيعته المرغوبة والمتميزة بنفسه، فإن هذا الواقع لا ينطبق على الإنسان عمومًا؛ فهو لا يخلق بمعدن أصيل طيب أو بآخر هجين خبيث، رغم صحة ما ورد عن رسولنا الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الشريف القائل:"الناس معادن كمعادن الذهب والفضة، خيارهم في الإسلام خيارهم في الجاهلية، وشرارهم في الإسلام شرارهم في الجاهلية". (1) ورغم صحة تأثير العوامل الوراثية وطبيعة البيئة والتربية والنظم الحياتية المحيطة بالإنسان على طبيعة صياغة شخصيته، فهذه كلها عوامل مؤثرة - وقد يصل مستوى تأثيرها حدًا كبيرًا جدًا في بعض الأحيان - إلاّ أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان دون سواه، حيث يبقى بإمكانه أن يجعل من معدنه ذهبًا، وإن شاء جعله معدنًا عديم القيمة، فالأمر رهن يديه كما قال ربنا سبحانه وتعالى: (وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى(.(النجم/39) وهذا السعي الإنساني هو المصدر الحقيقي لوجود القوة أو الضعف، والإيمان أو النفاق، والحيوية أو الخمول، والتطور أو التخلف.. حول الإنسان وحول الأمة اللذين بيدهما قرار ارتقاء سُلّم التسامي، كما بيدهما قرار السقوط والتسافل والانحطاط الى الحضيض.
ومن هذا المنطلق؛ كان محرمًا على ابن آدم القنوط من رحمة الله واليأس من روحه المقدس، كأن يحدّث نفسه أو تحدّثه نفسه بأنه - مادام قد ولد في بيئة فاسدة أو فقيرة أو ضعيفة أو متخلفة - تعيس الحظ، ولا فرصة له في التطور، ولا جدوى من بذل سعيه لايجاد التغيير وإصلاح ما حوله من واقع متراجع.. بل الواجب الأول الذي ينبغي له تنفيذه هو الإيمان بوجود رب حكيم وكريم وغني وحميد، حريٌّ أن يتوكل العبد عليه، فيمضي في ارتقاء سلم الجد والاجتهاد والعمل والمثابرة؛ لأن قرار الارتقاء هذا جعله الله رهن إرادته، فكان له أن يصوغ من ذاته معدنًا طيبًا نقيًا ثابتًا جديرًا بأن يفتح الله له أبواب الحياة الحقيقية في الدنيا والآخرة. وقد قال تبارك اسمه في آية قرآية كريمة: (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَآ أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ((آل عمران/179) أي أن حكمته العظيمة وإرادته الجبارة شاءت أن يكون ابن آدم حرًّا مختارًا في انتخاب الحياة والمعدن، رغم الصورة والواقع الأوليين اللذين يولد عليهما وفيهما.
قصة تأريخية حكيمة
نقرأ في قصة النبي نوح عليه السلام مع ابنه الذي أبى الاستماع الى قول الحق والركوب في السفينة، نقرأ أن الله سبحانه وتعالى قد حكم على هذا الولد الكافر العاق بالهلاك نظرًا لما صدر منه من موقفٍ معاند في أخريات حياته وفي تلك الساعات الحاسمة، وهو الموقف الذي كشف عن حقيقة معدنه، رغم كون أبيه من الأنبياء وأولي العزم، إلاّ أن عمله غير الصالح حوّله الى لعنة تاريخية، لأنه كان بإمكانه اختيار طريق الفلاح والنجاة من الغرق في الدنيا والعذاب الأبدي في الآخرة.