نفعني الله وإياكم بهدي كتابه وسنة نبيه محمد ، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب وخطيئة فاستغفروه إنه الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله جعل لكل شيءٍ قدرًا، وأحاط بكل شيءٍ خبرًا، أحمده سبحانه وأشكره، فنعمه علينا تترى، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدًا عبده ورسوله خُص بالمعجزات الكبرى، صلى الله وسلم وبارك عليه وعلى آله وأصحابه، والتابعين ومن تبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدين.
أما بعد:
فاتقوا الله أيها المؤمنون، واعلموا (( أن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وأن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم فمن رضي فله الرضى، ومن سخط فعليه السخط ) ) (6) [1] ، (( وإذا أراد الله بعبده الخير عجَّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشرَّ أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة ) ) (7) [2] . بهذا جاءت الأخبار عن المصطفى المختار .
الابتلاءات في هذه الدنيا مكفراتٌ للذنوب، حاطةٌ للخطايا، تقتضي معرفتها الإنابة إلى الله، والإعراض عن خلقه. وهي رحمةٌ وهدى وصلواتٌ من المولى الكريم: أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة وأولئك هم المهتدون [البقرة:157] .
فاتقوا الله ربكم وأحسنوا الظنَّ به، وأمِّلوا فيما عنده، واعملوا صالحًا، ثم صلوا وسلموا على البشير النذير.
(1) الطوى: الجوع.
(2) أخرجه الترمذي (4/520-ح2398) ، والنسائي في الكبرى (4/352-ح7481) ، وابن ماجه (2/1334-ح4023) ، وأحمد (1/172، 174) .
(3) أخرجه أبو داود (3/183-ح3090) ، وأحمد (5/272) ، والبيهقي في السنن الكبرى (3/374) ، والطبراني في الكبير (22/318-ح801) ، وأبو يعلى في مسنده (10/482،483-ح6095) ، وابن حبان في صحيحه .انظر الإحسان (7/169-ح2908) .
(4) حلية الأولياء لأبي نعيم (5/106) وإسناده ساقط: فيه محمد بن مروان السدي متهم بالوضع.
(5) أخرجه مسلم (4/2995-ح2999) .
(6) أخرجه الترمذي (4/519-ح2396) ، وقال: حديث حسن غريب، وابن ماجه (2/1338-ح4031) ، وأحمد (5/427) .
(7) أخرجه الترمذي (4/519-ح2396) ، وقال: حديث حسن غريب.
عبد العزيز بن عبد الفتاح قاري
المدينة المنورة
قباء
الخطبة الأولى
أما بعد:
فعبد الله ورسوله ونبيه ومصطفاه وحبيبه وخليله فضله على أنبيائه ورسله وجعله سيد ولد آدم واتخذه الله خليلا واجتباه وفضله علي الأنبياء والمرسلين صلى الله عليه وسلم ومع ذلك كله لما قام صلى الله عليه وسلم بأمر ربه يدعو إلى عبادة الله وحده ابتلاه فكاد الناس يكونون عليه لبدا وتحمل صلى الله عليه وسلم كل ما أصابه من ابتلاء شديد ومحنة أثناء دعوته إلى الله عز وجل.
فلماذا كان ذلك الابتلاء الشديد لخليل الرحمن وحبيب رب العالمين؟ إنها سنن ربانية لا تتغير ولا تتبدل, أن المؤمن يبتلى بالشدائد والمحن تمحيصا له وزيادة لدرجاته عند ربه وأشد المؤمنين بلاء الذين قاموا بواجب الدعوة لله عز وجل وأشد هؤلاء بلاء الأنبياء والمرسلون, فما بعث نبي وما أرسل رسول إلا أوذي في ذات الله عز وجل فليست هناك دعوة بغير ابتلاء, قال ورقة بن نوفل لرسول الله صلى الله عليه وسلم لما سمع منه خبر الوحي الذي أنزل عليه صلى الله عليه وسلم: ليتني كنت حيا إذ يخرجوك قومك. فقال صلى الله عليه وسلم: (( أومخرجي هم؟ ) ). قال ورقة: نعم لم يأت رجل بمثل ما أتيت به قط إلا عودي (1) [1] , إلا أوذي. نعم لقد أوذي صلى الله عليه وسلم وابتلي ابتلاء شديدا, آذاه قومه وابتلوه وتحمل صلى الله عليه وسلم كل ذلك في ذات الله.
وهنا في هذه اللمحة من سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم نتعلم درسين جليلين علينا أن نتأملهما ونستفيد منهما ونتعظ بما فيهما من العظة والدروس:
الدرس الأول: أن الأصل في البلاغ , أنه إنذار وتبشير قال تعالى: رسلا مبشرين ومنذرين [النساء:165] . فأمر هذه الدعوة مبني علي الإنذار والتبشير أخذا من قوله تعالى رسلا مبشرين ومنذرين, تأمل أيها المسلم كيف أن النبي صلى الله عليه وسلم أول ما بدأ في دعوته تنفيذا للأوامر الإلهية في قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين [الشعراء:21] . وقوله في صدر سورة المدثر: قم فأنذر وأول ما قام به صلى الله عليه وسلم هو إنذار قومه, فعن عبد الله بن عباس رضى الله عنهما قال: لما نزلت: وأنذر عشيرتك الأقربين (( أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا فقعد عليه ونادى: يا صباحاه وا صباحاه ) )فاجتمع إليه الناس بين رجل يأتي بنفسه وبين رجل يبعث رسوله فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: (( أرأيتم لو أخبرتكم بأن خيلا بسفح هذا الجبل تريد أن تغير عليكم صدقتموني. قالوا: نعم. قال: فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. فقال أبو لهب: تبا لك سائر اليوم أما دعوتنا إلا لهذا. فأنزل الله تعالى: تبت يدا أبي لهب وتب ) ) (2) [2] . أخرج هذا الحديث البخاري ومسلم.
(1) - موسوعة خطب المنبر - (ج 1 / ص 251)