فتأمل أيها المسلم قوله تعالى: وأنذر عشيرتك الأقربين وقوله: قم فأنذر ثم قول النبي صلى الله عليه وسلم تنفيذا لهذه الأوامر الإلهية قوله لقومه إني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. تعلم أن هذا كله هو من باب الإنذار والترهيب وليس من باب الترغيب والتبشير, فأمر الدعوة مبني علي الاثنين علي التبشير والترغيب والترهيب والوعد والوعيد ولكنه صلى الله عليه وسلم لما بدأ دعوته بدأ بالإنذار ولكننا نسمع اليوم من بعض المتفلسفين تذكيرا علي التبشير والترغيب ويعتبرون استعمال الترهيب في الدعوة تنفيرا, هكذا نسمع من بعض المتفلسفين اليوم حتى ميعوا دين الله عز وجل وجعلوا الدعوة إليه أشبه بأحوال الرهبان, رهبان البوذية أو رهبان النصارى.
الدرس الثاني: هذه اللمحة من سيرة المصطفي صلى الله عليه وسلم أبلغ وأعظم وعلى كل مؤمن ومؤمنة أن يتنبه إليه ويستحضره في حياتهما فقد أوذي رسول الله صلى الله عليه وسلم في سبيل هذه الدعوة أذى شديدا كما أشرت إلى ذلك وتحمل من قومه البلاء الشديد حتى إنه صلى الله عليه وسلم سجد يوما وهو يصلي فجاء بعض سفهاء المشركين فوضعوا فرث جزور وسلاها بين كتفي رسول الله صلى الله عليه وسلم وظل ساجدا لا يرفع رأسه حتى أقبلت ابنته فاطمة تسعى رضى الله عنها وأرضاها فألقت عنه ذلك الأذى وهي تسب أولئك السفهاء من المشركين.
وأقبل سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوما يطوف بالبيت وطواغيت المشركين وكبراؤهم في الحجر مجتمعون فلما مر بهم صلى الله عليه وسلم غمزوه وسخروا منه فعرف ذلك في وجهه أي من الغضب حتى إذا مر بهم الثالثة وغمزوه صلى الله عليه وسلم غضب فوقف وقال لهم: (( أتسمعون يا معشر قريش لقد جئتكم بالذبح. فخافوا وقال بعضهم لبعض: تعلمون أن محمدا لا يكذب. ثم أقبلوا عليه يتلطفون به صلى الله عليه وسلم ويقولون له يا أبا القاسم ما كنت جهولا فانصرف راشدا ) ).
وفي يوم أخر أقبلوا إليه وهو عند البيت واجتمعوا عليه فوثبوا عليه صلى الله عليه وسلم وأخذوا بمجمع ردائه وكادوا يخنقونه وقام أبو بكر الصديق رضي الله عنه يدفعهم عنه صلى الله عليه وسلم ويقول لهم وهو يبكى: (( أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله ) ). وهكذا تحمل أكرم الخلق خليل الرحمن صلى الله عليه وسلم سيد ولد آدم تحمل كل ذلك البلاء الشديد والمحن والأذى في ذات الله عز وجل حتى إذا اشتد بلاء المشركين عليه وعلى أصحابه دعا عليهم, دعا على طواغيت المشركين ثلاثا فقال صلى الله عليه وسلم: (( اللهم عليك بقريش, اللهم عليك بعمرو بن هشام, اللهم عليك بعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة والوليد بن عتبة وأمية بن خلف وعقبة بن أبي معيط وعمارة بن الوليد ) ). دعا على هؤلاء الطواغيت ثلاث مرات صلى الله عليه وسلم.
قال عمرو بن العاص رضى الله عنه وقد كان شهد ذلك: فو الله لقد رأيتهم صرعى يوم بدر قد غيرتهم الشمس في يوم حار وسحبوا إلى قليب بدر فألقيت جيفهم فيه.
كل أولئك الطواغيت من مشركي قريش الذين دعا عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم, لقد تحمل النبي صلى الله عليه وسلم كل تلك الشدائد والمحن في سبيل الله وفي ذات الله وقدم التضحيات في سبيل الله وفي ذات الله. وأنت يا أيها المسلم ماذا أصابك في ذات الله؟ وماذا قدمت من تضحيات في سبيل الله ولدين الله عز وجل؟ تعيش اليوم في رغد وبحبوحة من العيش في نعم تبقى ولا تنفذ ثم تبخل بالقليل من جهدك ووقتك ومالك ونفسك أن تقدمه لله عز وجل, بل إنك حتى لا تضحي بشهواتك ورغباتك من أجل الله تعالى. ما أبخلك أيها الإنسان وما أشد جزعك. ما أبخلك إذا طلبك ربك واستقرضك وما أشد جزعك إذا أصابك ما أصابك, أعوذ بالله من الشيطان الرجيم: إن الإنسان خلق هلوعا إذا مسه الشر جزوعًا وإذا مسه الخير منوعا إلا المصلين الذين هم علي صلاتهم دائمون [سروة المعارج:19-3] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم ونفعني وإياكم بما فيه من الآيات والذكر الحكيم أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
(1) إن الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله.
أما بعد فإن خير الكلام كلام الله وخير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار.
وعليكم أيها المسلمون بالجماعة فإن يد الله علي الجماعة ومن شذ شذ في النار واعلموا أن الجماعة هي التمسك بالكتاب والسنة وبمنهج الصحابة الكرام رضوان الله عليهم أجمعين.