إننا عندما نقرأ هذه السورة المباركة من بدايتها الى نهايتها، فاننا نطالع فيها صورًا مشرقة من جهاد وكفاح الأنبياء عليهم السلام، وأتباعهم في أكثر الظروف شدة وتأزّمًا.
الاستقامة أمر إلهي
وفي نهاية هذه السورة نجد خلاصة للأفكار التي جاءت فيها، فلنحاول معًا أن نستعرض هذه الأفكار الواحدة تلو الأخرى فيما يلي:
الفكرة التي يتضمّنها قوله تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَآ اُمِرْتَ((هود/112) ، فالله تعالى يخاطب نبيّه صلى الله عليه وآله بأنّه مأمور مادام قد أسلم وآمن وخضع لرب العزة، ولأنه مأمور فلابد من أن يتّبع الأوامر بدون زيادة أو نقصان، وبدون جدل ونقاش. وما دام الله رحيمًا بالانسان، ولا يأمره بشيء إلاّ إذا كان من مصلحته، فلماذا تريد - أيها الإنسان - أن تستنبط الأفكار من نفسك، أوَلا تؤمن بأن بصائر القرآن، ورؤى الوحي، وشرائع الدين صحيحة؟ فاستقم - إذن - كما أمرت لأن الاستقامة أمر إلهي، ولا يهمّ في هذا المجال ماذا سيحدث في المستقبل، وماذا ستكون النتائج، بل عليك أن تستقيم.
ثم يقول تعالى موضحًا ان الأمر بالاستقامة لا يقتصر على الرسول صلى الله عليه وآله، بل يشمل أتباعه أيضًا: (فَاسْتَقِمْ كَمَآ اُمِرْتَ وَمَن تَابَ مَعَكَ((هود/112) ؛ أي إن القائد عندما يحمل الراية في ظروف الشدة والهزيمة، وعند الصعوبات والمشاكل، فان هذه الراية التي يركزها هذا القائد سوف تكون سببًا لالتحاق المنهزمين مرّة أخرى.
وعلى هذا فان الله سبحانه وتعالى يصرّح بأن أحد أهم النتائج الايجابية للاستقامة توبة المنهزمين، وعودتهم الى الخط الرسالي.
الركون الى الظالمين
ثم يأمر سبحانه المؤمنين بعدم الطغيان قائلًا: (وَلاَ تَطْغَوْا((هود/112) ؛ أي لا تكونوا أيها المؤمنون، يا من أنفقتم أوقاتًا ثمينة من حياتكم، واُبليتم شبابكم وزهرة حياتكم في سبيل الرسالة، لا تكونوا وقودًا للحروب التي يثيرها الطغاة. فنحن إذا ما تركنا معارضة الظالمين جانبًا، فربّما سنصبح أداة من الأدوات التي يستخدمها الطغاة.
ويؤكد جل وعلا على هذا المعنى قائلًا: (وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمْ النَّارُ((هود/113)
فأنتم أيها الرساليون إذا تركتم الجهاد وعزّته وكرامته فسوف تضطرّون الى أن تركنوا الى الذين ظلموا، وبالتالي فانكم سوف تحتاجون في هذه الحالة الى حماية، وأن تضطرّوا الى التوسّل بهذا النظام أو ذاك لتطلبوا منهم هذه الحماية. فالانسان الذي لا يمتلك عزة من جهاده، فلابد من أن يبحث عن العزّة عند الظالمين.
والقرآن الكريم يحذّرنا من هذا السلوك موضحًا أننا لو أيّدنا الظالم فان عاقبتنا سوف لن تكون بأحسن منه، حيث عذاب الله ولعنة الناس، دون أن يكون لنا أيّ نصير وشفيع.
قال الله تعالى: (وَمَا لَكُم مِن دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَآءَ ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ((هود/113)
فعلى الإنسان أن لا يقول في يوم القيامة أنه كان مجاهدًا وعاملًا، فانّ مثل هذه السوابق لا يمكن أن تشفع له بعد أن ركن الى الظالم، وأصبح ذيلًا له، ودائرًا في فلكه. فالله تبارك وتعالى لا ينظر الى سوابق الإنسان، بل يحكم عليه حسب الوضع الذي هو عليه الآن.
وبناء على ذلك فانّ الاستقامة تمثّل ضرورة لا غنى للانسان المجاهد عنها، لأن من لا يستقيم لابدّ أن يصبح طاغيًا أو أن يخضع للطغاة، ولخط الظالمين ويركن إليهم، وحينئذ سيكون مصيره مصير الظالمين، ثم لكي يستقيم الإنسان، ويستمر على الجهاد فعليه أن يتّصل بروح الإيمان.
الصلاة وقود الاستقامة
والصلاة التي يقول عنها تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ((هود/114) هي أفضل وسيلة لاستمداد القوة المعنوية عندما يفتقر الإنسان الى القوة المادّية. وأنا لا أستطيع أن أتصوّر مجاهدًا لا يستأنس بالصلاة. فهي بالنسبة إليه الركن الركين الذي يأوي إليه، والكهف الحصين الذي يحميه من عاديات الدهر والوساوس الشيطانية. فإذا ما صادف وان اسودّت الدنيا في عينك، وتراكمت المشاكل عليك، وتواصلت الهزائم، فعليك أن تفرّ الى الله الذي تجده في الصلاة. فعندما تصلي تكون قريبًا من رب العزة، ويكون تعالى قريبًا منك، يربت على كتفك بيد حنانه ورأفته.
ثم يقول تعالى: (وَأَقِمِ الصَّلاَةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفًا مِنَ الَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ((هود/114)
فعلى الانسان المؤمن أن يلتزم بالصلاة في النهار والليل؛ فاذا ما هجمت عليه الهواجس، وأخذ يفكّر في المشاكل والصعاب التي يواجهها، فعليه أن ينهض من فراشه، ويقف أمام رب العالمين، وحينئذ سيجد برد عفو الله وسكينته، وروح الاطمئنان تغمر قلبه.
الصبر والنظرة البعيدة
ويأمر تعالى نبيّه صلى الله عليه وآله والمؤمنين بالصبر قائلًا: (وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ((هود/115) .