فهرس الكتاب

الصفحة 951 من 1236

والقرآن العظيم وسنة النبي صلى الله عليه وسلم يبينان لنا أن ذلك له حكمة كما قال جل وعلا: وألّوا استقاموا على الطريقة لأسقيناهم ماءً غدقا لنفتنهم فيه [الجن:16-17] . فمن أفيضت عليه المسرات، والخيرات حلت عليه والنعم، وأفيض عليه ما يسره يجب عليه أن يقف وقفة متأملًا متدبرًا في هذه النعم التي حلت عليه، فينظر أولًا هل حاله حال المستقيمين؟ هل حاله حال الذين استقاموا على الطريقة؟ هل حاله حال المؤمنين بالله الذين استجابوا لله فامتثلوا أمره واجتنبوا نهيه؟ فإن كانت حاله تلك من الاستقامة والإيمان والصلاة وأنعم الله عليه من الخير فليعلم أن ما أعطاه الله جل وعلا له ليبلوه وليفتنه هل يشكر تلك النعم أم لا يشكرها فإن من الناس من كانت أحوالهم مستقيمة فلما أفيض عليهم المال وكملت لهم النعم انحرفوا وضلوا ولم يشكروا الله على نعمه الجزيلة وعلى ما وسع وأفاض من الخيرات، فمن كان مستقيمًا وكانت حاله في رغد من العيش وسلامة وصحة وأمن ونحو ذلك فليعلم أن ذلك اختبار هل يشكر أم يكفر؟ كما أخبر الله جل وعلا عن سليمان عليه السلام حيث قال بعد أن أنعم عليه: ليبلوني أأشكر أم أكفر ومن شكر فإنما يشكر لنفسه ومن كفر فإن ربي غني كريم [النمل:40] . بعد أن أُتي له بعرش بلقيس وتمت له تلك النعم عرف أن ذلك ابتلاء، وأن ذلك ليختبر هل يشكر أم يظن أنه إنما أوتيه بقواه، وأنه إنما أوتي ذلك بمحض قوته وتفكيره، صنف آخر من الناس يبتلى بالنعم ويفاض عليه من الخيرات فيجب عليه أن ينظر في نفسه إذا كان غير مؤمن بالله الإيمان الكامل إذا كان مفرطًا بالواجبات، مفرطًا بحقوق الله جل وعلا وبحقوق الخلق، مقبلًا على المحرمات لا يرعى لله حرمة ولا يرعى للخلق حقًا وأنعم عليه بالنعم، فليعلم أنما ذلك ابتلاء واستدراجٌ من الله كما ثبت في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: (( إذا رأيت الله يعطي العبد وهو مقيم على معاصيه فليعلم أن ذلك استدراج ) ) (1) [1] لأنه استدراج حيث قال تعالى: سنستدرجهم من حيث لا يعلمون وأملي لهم إن كيدي متين [القلم:44] .

إن الله جل جلاله يغار على حرماته ومع ذلك يفيض الخير على من لم يستقم على أمره، ليبتليه وليختبره.

ثم ليعلم أولئك أنما ذلك استدراج لكي ينظر الناس في حالهم بعد أن تأخذهم العقوبة.

والمؤمن عليه أن يرجع إلى ربه دائمًا بما أعطاه الله من النعم وأفاض عليه من الخيرات، فإن كان مؤمنًا سليم الإيمان مقيمًا على الطاعات مبتعدًا عن المحرمات، سعى في شكر ذلك باستعمال النعم في مراضي الله وبأن يضيفها وينسبها إلى من أولاها وأسداها ثم إنه ينعم بها على من حرمها.

من كان على غير استقامة، على معصية، على موبقات وعلى تفريط في الواجبات وأنعم عليه فليعلم أن ذلك استدراج، فعليه أن يستيقظ من الغفلة، وأن يستيقظ من السِنَة التي غشيت عقله وعلى فؤاده، فإن المرء إذا أصابته الغفلة خسر ثم خسر خسرانًا مبينًا.

الطائفة الأخرى من الناس لا تبتلى بالنعم إنما تبتلى بالمصائب من الله جل وعلا، بأنواع المصائب، إما بنقص في الأموال، وإما بمصائب بدنية وإما بمصائب عامة أو خاصة، وتلكم المصائب موافقة لحكمة الله، موافقة لقدر الله، موافقة لسنة الله التي أمضاها في خليقته منذ خلق السموات والأرض، ومنذ دب آدم على وجه الأرض، فتارة يكون الذي ابتلي بالمصائب ابتلي بالأمراض ابتلي بالموت ابتلي بالجوع، ابتلي بنقص المال، فتارة يكون مؤمنًا فردًا أو جماعةً أو أمة، تارة يكون مؤمنًا مسددًا كما حصل في عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه حيث ابتلي الناس في وقته وهم الكملة المنتقون ابتلي الناس في وقته بعام المجاعة المشهور الذي سمي عام الرمادة، كان الناس لا يجدون ما يأكلون وذلك لينظر الله جل وعلا في فعل أولئك بذلك الابتلاء وذلك الاختبار هل يقبلون على ربهم ويعلمون أن بيده ملكوت كل شيء أن في يده ملكوت كل شيء وأنه جل وعلا ماض حكمه في خليقته ثم إنهم يبذلون ويضحون أم أنهم يشحون على أنفسهم وعلى إخوانهم، وأنواع من الاختبار والابتلاء بل وكما ابتلي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصحابته بما حدث لهم في أحد حيث قال الله جل وعلا لهم: أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم [آل عمران:165] .

أولئك ابتلوا واختبروا بأنواع من المصائب المؤلمة مع ما هم عليه من السداد في الإيمان وكمال الأقوال والأعمال والبعد عن الشرك والبدع والبعد عن المحرمات صغيرها وجليلها إلا ما شاء الله أن يقع، أولئك كانت لهم المصائب ابتلاءً واختبارًا لإيمانهم هل يصبرون على ذلك أم يتشككون في يقينهم وفي إيمانهم كما يحصل لبعض السفهاء ممن ضعف دينه وضعف إيمانه وقل يقينه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت