لا أدري كيف يستقيم عند البعض أن العمل الإسلامي لا يحتمل إلا الدعوة إلى الله، أي في الدروس والخطب والكتابة، وأن الانخراط في جماعة سلفية المعتقد والمنهج والدعوة، حدث أن تصادَم الباطلُ معها يومًا، فألجأها إلى أن تدفع عن نفسها بغيَه، وأنها صاولته زمنًا، فأصابتها جراح دامية، اقتضت من عقلاء المسلمين وفضلائهم ونبلائهم الشفقة والمواساة، والعونَ بما يأسون به جراحهم، لا أدري كيف يكون مثل هذا الانخراط انحرافًا يجب رفضه ودفعه ومهاجمته.
أفهم أنه يجب على أهل العلم والبصيرة، من العاملين الصادقين النصح والتوجيه، وأن على هؤلاء الجند الرجوع إلى أولئك العلماء ليسترشدوا بعلمهم، ويستنيروا بخبرتهم، لكن الذي لا أتصوره، ولا أظن أن فاضلًا من علماء المسلمين يطيقه أن يتواصل التثريب واللوم والهجوم والتنفير من عمل أولئك المجاهدين الذين تعجلوا في مصاولة الباطل الجريء الفج المتوقح في بلدانهم، حيث أرادوا الخير، وقصدوا الدفاع عن دينهم، فهل من العقل أن نستسلم لأبواق الإعلام الفاسد حتى نصف إخواننا بأنهم منحرفون.
وأدع التلويح إلى التصريح فأقول: هذا الذي سُقته يخرج منه أولئك الغلاة الذين سقطوا في مستنقع التكفير للمسلمين، واستحلوا دماءهم، وشوهوا سيرة المسيرة الطيبة للمجاهدين الذين لم يكن لهم أعداء سوى أعداء دينهم وعملائهم من الطغاة.
لقد كان هؤلاء الإخوة الذين نثَرِّب عليهم الآن هم أول من طار إلى ساحات الجهاد حين سمعوا النداء"حي على الجهاد"تركوا أوطانهم وجامعاتهم وتجاراتهم ووظائفهم وأبناءهم وزوجاتهم، وهناك في ساحات الشرف والعزة والكرامة سالت دماؤهم، وسقط شهداؤهم، فسطروا بإيمانهم ملاحم جهادية أعادت إلينا صورًا من الماضي الزاهر لأمتنا المسلمة الكريمة.
رأيناهم في أفغانستان وفي كشمير وفي الشيشان وفي البوسنة رجالًا يطلبون الشهادة، ويلتمسون سبيل العزة لأمتهم. رأيناهم يبحثون عن سبيل يمكنهم من الوصول إلى اليهود في فلسطين الحبيبة، بيد أن حُرَّاسها من أنظمتنا العربية تُحكم الحراسة، لكن الطريق حتمًا يوما بإذن الله سيفتح، يوم يخرس الغرقد وينطق الشجر والحجر: يا عبد الله يا مسلم: هذا يهودي ورائي فتعال فاقتله.
لقد فزع الغرب الطامع فينا لتنامي روح الجهاد في الأمة، وانخراط أفواج من الشباب في هذا الطريق.
فزع لأنه يعلم أن هذا الطريق هو الطريق الذي لا يستطيع أن يلقانا فيه، أو كما يقول الأستاذ محمود شاكر - رحمه الله - في رسالته الفذة"في الطريق إلى ثقافتنا": لقد علموا أن معركة السلاح مع المسلمين لن تغني عنهم شيئًا.
ولعلنا نذكر ولا ننسى مقولة ريجان رئيس أمريكا السابق في خطاب المواساة للشعب الأمريكي حين فجّر مقاتل مسلم نفسه بسيارة مفخخة في عملية استشهادية معسكرًا للقوات الأمريكية الخاصة في لبنان فقتل منهم المئات: قال: إن أمريكا قوية، وتستطيع أن تضرب في كل مكان، لكن ماذا عسانا أن نفعل مع أناس يُقبلون على الموت.
لقد فزع الغرب لا سيما أمريكا حين طار هؤلاء المجاهدون إلى الصومال ليفسدوا على أمريكا خطتها في ترتيب أوراق المنطقة وزرع عملائها هناك، وتطويق الأمة المسلمة العربية من الجنوب لصالح أهداف إسرائيل، لقد وصل المجاهدون وأذاقوا جنود الأمريكان طعم الرعب، وجرعوهم كؤوس الذل مترعة، فخرجوا على الفور خزايا منكسرين، إنهم يفهمون معنى الجهاد عند المسلمين، يفهمونه جيدًا، يفهمونه أكثر من كثير منا، ولهذا فهم يملأون الدنيا ضجيجًا ضد هذا الطريق، وضد هؤلاء المجاهدين، يصيحون من كل الأبواق، أوقفوا الإرهاب، اسحقوا الإرهاب، وإن الترجمة الدقيقة لصيحاتهم هي: أيها الأصدقاء في الغرب والشرق، ساعدونا في القضاء على هذا الخطر الكبير المتمثل في الجهاد، حاصروه معنا، اقتلوه معنا، إن لنا آمالًا عريضة في العالم، إن مستقبلنا الواعد يكتنفه بسبب الجهاد عقبات ومصاعب، إن المسلمين هم الخطر الأكبر، بل الخطر الوحيد، سيبقى الإسلام قوياُ عزيزًا ما بقيت في المسلمين هذه الروح، ساعدونا على إماتتها …!! هكذا
لقد فزعوا حتى إنهم ليفرضون الحصار على بعض الدول من أجل أن تسلم لهم مجاهدًا، أجل مجاهد واحد، صحيح أنه أضحى رمزًا للجهاد الذي يفزعهم شبحه، لكنه رجل واحد اجتمع حوله من إخوانه المجاهدين ثلة من الأبطال، فماذا لو كان عددهم عشرات الآلاف، وماذا لو كانوا مئات الآلاف، أتقدر أمريكا أن تفرض على بلدان المسلمين ما تفرضه من إتاوات، وما نراه ونشاهده من الصغار والذل الذي يتّسم به قادة أنظمتنا الأشاوس.