فهرس الكتاب

الصفحة 884 من 1236

فليس كل من أكرمه الله في الدنيا بصنوف من النعم هو في الحقيقة مُنعم عليه، وليس كل من قُدِر عليه رزقه مهانًا عند الله، بل إن الله - عز وجل - يبتلي الإنسان بالنعم كما يبتليه بالمصائب، والإنسان يتقلب في الدنيا بين صنوف من النعم وصنوف من المصائب.

والنعم التي ينعم بها المولى على عباده كثيرة:"وإن تعدوا نعمة الله لا تحصوها" {النحل: 18} ، وكلها من الله - سبحانه وتعالى:"وما بكم من نعمة فمن الله" {النحل: 53} ، والعباد فيها بين شاكر وكافر؛ فالشاكر يبارك له الله في النعم، ويزيده من فضله"لئن شكرتم لأزيدنكم" {إبراهيم: 7} ، والكافر يزيل الله عنه كل أثر للنعمة، ولا يبقى له إلا المصائب والمحن في الدنيا والآخرة:"ولئن كفرتم إن عذابي لشديد" {إبراهيم: 7} .

وذلك لأن النعم على قسمين: نعم مطلقة، ونعم مقيدة.

فالنعم المطلقة: هي المتصلة بسعادة الإنسان في الدنيا والآخرة، وهي التي لا تزول ولا تنقطع، وتمامها يكون بالخلود في الدرجات العليا من الجنة، وقد سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يدعو يسأل ربه تمام النعمة، فقال له:"هل تدري ما تمام النعمة؟ تمام النعمة أن يرزقك الله الجنة ويحول بينك وبين النار".

قال - تعالى:"فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور" {آل عمران: 185} .

وهذه النعمة المطلقة هي نعمة الإسلام والسنة، وأهلها هم أهل الرفيق الأعلى، أهل الهداية، ولهذا أمرنا الله"تعالى"أن نسأله في صلواتنا الهداية إلى الصراط المستقيم؛ صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين:"اهدنا الصراط المستقيم (6) صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين" {الفاتحة: 6، 7} .

فالمغضوب عليهم: الذين عرفوا الحق وأعرضوا عنه، والضالون: الذين ضلوا سبيل الرشاد، ليس لهم من هذه النعمة نصيب وإنما هي للمطيعين وحدهم:"ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا" {النساء: 69} .

وهذه النعمة المطلقة هي التي أسبغها الله وأتمها على عباده المؤمنين بإكمال دينه وإتمام شريعته وإرسال رسوله:"اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" {المائدة: 3} .

وهذه النعمة المطلقة هي التي يفرح بها في الحقيقة، والفرح بها مما يحبه الله ويرضاه:"قل بفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو خير مما يجمعون" {يونس: 58} ، وفضل الله ورحمته في الإسلام والسنة جعلنا الله من أهلها.

والنعم المقيدة: هي ما يتفضل به الله على عباده في الدنيا مما يحبون؛ كالصحة والفراغ والغنى والعافية في البدن والزوجة والولد، وهي شهوة وزينة، وهي مشتركة بين المؤمن والكافر، والبَّر والفاجر، وهي مناط الاختبار والابتلاء:"زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب (14) قل أؤنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وأزواج مطهرة ورضوان من الله والله بصير بالعباد" {آل عمران: 14، 15} .

قال ابن كثير:"يخبر الله - تعالى - أنه زيَّن للناس حب الشهوات الدنيوية، وخص هذه الأمور المذكورة لأنها أعظم شهوات الدنيا وغيرها تبع لها، قال - تعالى:"إنا جعلنا ما على الأرض زينة لها" {الكهف: 7} ، فلما زينت لهم هذه المذكورات تعلقت بها نفوسهم، ومالت إليها قلوبهم، وانقسموا بحسب الواقع إلى قسمين: قسم جعلوها هي المقصود فصارت أفكارهم وخواطرهم وأعمالهم الظاهرة والباطنة لها، فشغلتهم عما خُلقوا لأجله، وصحبوها صحبة البهائم السائمة يتمتعون بلذاتها ويتناولون شهواتها، ولا يبالون على أي وجه حصَّلوها، ولا فيما أنفقوها وصرفوها، فكانت زادًا لهم إلى دار الشقاء والعناء والعذاب."

والقسم الثاني: عرفوا المقصود منها، وأن الله جعلها ابتلاءً وامتحانًا لعباده، ليعلم من يُقدِّم طاعته ومرضاته على لذاته وشهواته، فجعلوها وسيلة لهم، وطريقًا يتزودون منها لآخرتهم، ويتمتعون بما يتمتعون به على وجه الاستعانة به على مرضاته، علموا أنها متاع الحياة الدنيا فجعلوها معبرًا إلى الدار الآخرة، فصارت زادًا لهم إلى ربهم". اه."

إن لله عبادًا فطنًا طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا

نظروا فيها فلما علموا أنها ليست لحيّ وطنا

جعلوها لُجَّة واتخذوا صالح الأعمال فيها سفنا

وفي الآيات تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترِّين بها، وتزهيد لأهل العقول بها، لذا أخبر الله عن دار القرار، ومصير المتقين الأخيار، وأنها خير من هذه الدار الفانية والنعيم الزائف الزائل، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الزائلة الحقيرة ثم اختر لنفسك أحسنها، واعرض على قلبك المفاضلة بينهما.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت