فهرس الكتاب

الصفحة 1209 من 1236

إن من حق القرآن علىنا أن نتدبر معانيه، وأن نفهم مقاصده؛ ذلك أن القرآن هو كتاب الله الخالد، ومعجزة رسوله الباقية، ونعمته السابغة، وحكمته الدامغة، وهو ينبوع الحكمة، وآية الرسالة، ونور الأبصار والبصائر، أنزله الله على رسوله - صلى الله عليه وسلم - لنقرأه تدبرًا، ونتأمله تبصرًا، ونسعد به تذكرًا، ونجتهد في إقامة أوامره ونواهيه، وعلمًا تزداد البصائر فيه تأملًا فيزيدها هداية وثباتًا وتبصرًا. قال - تعالى: {كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] ، وقال - تعالى: {كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إلَيْكَ مُبَارَكٌ لِّيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الأَلْبَابِ} [ص: 29] .

لقد أنزل الله القرآن ليكون بشيرًا ونذيرًا، وهاديًا إلى ما ارتضى له من دينه، وسلطانًا أوضح به وجهة دينه، ودليلًا على وحدانيته، ومرشدًا إلى معرفة عزته وجبروته، ومفصحًا عن صفات جلاله وعلو شأنه وعظيم سلطانه، وحجة لرسوله محمد - صلى الله عليه وسلم - الذي أرسله به، عَلَمًا على صدقه، وبيِّنة على أنه أمينه على وحيه والصادع بأمره، فما أشرفه من كتاب يتضمن صدق متحمله، بيَّن فيه - سبحانه - أن حجته كافية هادية، لا يحتاج مع وضوحها إلى بينة تعدوها أو حجة تتلوها، والقرآن الكريم وسيلة التثبيت الأولى للمؤمنين، ولقد أنزل الله القرآن العظيم منجَّمًا مفصلًا، وجعل الغاية منه هي التثبيت لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم -. قال - تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلًا} [الفرقان: 32] .

إن القرآن الكريم أعظم مصدر للتثبيت؛ لأنه يزرع الإيمان ويقوي الصلة بالله، كما أنه العاصم من الفتن وكيد الشيطان وغوايته، كما أنه يزود المسلم بالتصورات والقيم الصحيحة التي يستطيع على ضوئها أن يُقوِّم الأوضاع التي من حوله، تقييمًا صحيحًا، كما أن القرآن بما اشتمل عليه من أحكام وأصول وقواعد وحكم وقصص، يرد على الشبهات التي يثيرها أعداء الإسلام من الكفار والمنافقين ومن سار على دربهم.

فإن عُلم ذلك كله لزم على من أراد الثبات في الدنيا والآخرة، والفوز بالنعيم المقيم، أن يتخذ القرآن سميره وأنيسه، وأن يجعله رفيقه وجليسه على مر الليالي، وتتابع الأيام، فلا يقتصر على النظر فيه، بل يحمل نفسه على العمل به.

3 -الصبر والتصبر عند نزول المصائب والمحن:

إن الصبر من أجلِّ صفات النفس وأعلاها قدرًا، وأعظمها أثرًا قال - صلى الله عليه وسلم: «الصبر ضياء» فالصبر من أعظم الأمور والعوامل المعينة على الثبات؛ ذلك أن الصبر هو حبس النفس عن الجزع، واللسان عن الشكوى، والجوارح عن التشويش؛ فالصبر إذن أعظم مظهر من مظاهر الثبات، ولقد أمرنا الله - تعالى - به فقال - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} [البقرة: 153] ، وقال - سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} [آل عمران: 200] .

قال ابن تيمية - رحمه الله - قد ذكر الله الصبر في كتابه في أكثر من تسعين موضعًا، وقرنه بالصلاة في قوله - تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلاَّ عَلَى الْخَاشِعِينَ} [البقرة: 45] ، وجعل الإمامة في الدين موروثة عن الصبر واليقين بقوله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [السجدة: 24] ؛ فإن الدين كله عِلمٌ بالحق وعمل به، والعمل به لا بد فيه من الصبر، بل وطلب عِلْمِهِ يحتاج إلى الصبر، كما قال معاذ بن جبل - رضي الله عنه: «عليكم بالعلم؛ فإن طلبه لله عبادة، ومعرفته خشية، والبحث عنه جهاد» فجعل البحث عن العلم من الجهاد، ولا بد في الجهاد من الصبر؛ ولهذا قال الله - تعالى: {وَالْعَصْرِ * إنَّ الإنسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} [العصر: 1 - 3] .

4 -اليقين، والرضا بقضاء الله وقدره:

اليقين والرضا بقضاء الله وقدره من أعظم الأسباب المعينة على الثبات؛ ذلك أن اليقين هو جوهر الإيمان، وإن مما لا شك فيه أن اليقين، والرضا والتسليم لقضاء الله وقدره من أقوى الدعائم والعوامل المعينة على الثبات.

5 -التزام شرع الله والعمل الصالح:

قال - تعالى: {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ} [إبراهيم: 27] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت