فهرس الكتاب

الصفحة 1183 من 1236

"و"وربما كان ذلك أيضًا , لقلة عدد المسلمين حينذاك , وانحصارهم في مكة . حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة . أو بلغت أخبارها متناثرة , حيث كانت القبائل تقف على الحياد , من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها , حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف .. ففي مثل هذه الحال قد تنتهي المعركة المحدودة , إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة , حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم , ويبقى الشرك , وتنمحي الجماعة المسلمة . ولم يقم في الأرض للإسلام نظام , ولا وجد له كيان واقعي .. وهو دين جاء ليكون منهج حياة , وليكون نظامًا واقعيًّا عمليًّا للحياة .

"ز"في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة قاهرة ملحة , لتجاوز هذه الاعتبارات كلها , والأمر بالقتال ودفع الأذى . لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائمًا - وقتها - ومحققا .. هذا الأمر الأساسي هو وجود الدعوة .. وجودها في شخص الداعية - صلى الله عليه وسلم - وشخصه في حماية سيوف بني هاشم , فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع ! والنظام القبلي السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني هاشم , إذا هي امتدت يدها إلى محمد - صلى الله عليه وسلم - فكان شخص الداعية من ثم محميًّا حماية كافية .. وكان الداعية يبلغ دعوته - إذن - في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي , ولايكتمها , ولايخفيها , ولايجرؤ أحد على منعه من إبلاغها وإعلانها, في ندوات قريش في الكعبة , ومن فوق جبل الصفا , وفي اجتماعات عامة .. ولايجرؤ أحد على سد فمه ! ولايجرؤ أحد على خطفه وسجنه أو قتله ! ولايجرؤ أحد على أن يفرض عليه كلاما بعينه يقوله , يعلن فيه بعض حقيقة دينه , ويسكت عن بعضها . وحين طلبوا إليه أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف . وحين طلبوا إليه أن يسكت عن عيب دين آبائهم وأجدادهم وكونهم في جهنم لم يسكت . وحين طلبوا إليه أن يُدْهن فيدهنوا . أي أن يجاملهم فيجاملوه , بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا هم بعض عبادته , لم يدهن .. وعلى الجملة كان للدعوة وجودها الكامل , في شخص رسول الله - صلى الله عليه وسلم - محروسًا بسيوف بني هاشم - وفي إبلاغه لدعوة ربه كاملة في كل مكان وفي كل صورة .. ومن ثم لم تكن هناك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة والتغاضي عن كل هذه الاعتبارات البيئية التي هي في مجموعها , مساندة للدعوة ومساعدة في مثل هذه البيئة ( [5] ) .

وربما كان من الحِكَم في ذلك أن يظهر للأعداء عظمة هذا الدين , وأنه هو الدين الحق لما يتمثل به أتباعه من الصبر الطويل على الأذى , والمقدرة الفائقة على ضبط النفس, حيث يتساءل الأعداء عن السر الكامن وراء الصبر والثبات , فلا يجدون إجابة على تساؤلاتهم إلا بالتفكير في هذا الدين العظيم الذي كان وراء هذا الصمود العجيب والصبر الجميل .

هذا وقد اضطر بعض المعذبين من الصحابة للاستجابة لفتنة الكفار ظاهرًا وموافقتهم على قول مايطلبونه منهم للتخلص من تعذيبهم , كما قال ابن إسحاق رحمه الله: وحدثني حكيم بن جبير عن سعيد بن جبير قال: قلت لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من العذاب مايعذرون به في ترك دينهم ؟ قال: نعم والله , إن كانوا ليضربون أحدهم حتى مايقدر على أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي نزل به , حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة ( [6] ) .

وهكذا كان بعض الصحابة رضي الله عنهم يتعرضون في ذلك العهد لأنواع من التعذيب هي فوق احتمال البشر , مما حمل بعضهم مع قوة إيمانهم على موافقة المشركين ظاهرًا فيما ألزموهم بقوله مما يتنافى مع الإسلام .

وقد أقر النبي صلى الله عليه وسلم أولئك المعذبين على اتقاء عذاب المشركين بإظهار مايريدون منهم , ومن أدلة ذلك ما أخرجه الإمام الطبري من حديث أبي عبيدة بن محمد بن عمار بن ياسر قال: أخذ المشركون عمار بن ياسر فعذبوه حتى قاربهم ( [7] ) في بعض ماأرادوا , فشكا ذلك إلى النبي صلى الله عليه وسلم , فقال النبي صلى الله عليه وسلم: كيف تجد قلبك ؟ قال: مطمئنا بالإيمان , قال النبي صلى الله عليه وسلم فإن عادوا فعد.

ذكر ذلك في تفسير قوله تعالى: (مَن كَفَرَ بِاللّهِ مِن بَعْدِ إيمَانِهِ إِلاَّ مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالإِيمَانِ وَلَكِن مَّن شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِّنَ اللّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ ) ( [8] ) [النحل:106] .

وهذا يعدُّ رخصة للمسلمين الذين يتعرضون للبلاء الشديد على يد الكفار , فمن ثبت وراغم الكفار كما فعل بلال فهو أفضل , ومن أخذ بالرخصة كما فعل عمار فإنه لا إثم عليه مادام قلبه مطمئنًا بالإيمان , ولله الحمد والفضل .

وفي قوله صلى الله عليه وسلم"كيف تجد قلبك ؟"دلالة على أهمية صيانة الفكر من أن يتطرق إليه شيء من الشبهات التي يثيرها الكفار .

إن هؤلاء المعذبين قد استطاع الكفار أن يثخنوا في أجسادهم وأن يُلجئوا بعضهم إلى قول مالا يعتقدون , ولكنهم لم يستطيعوا أبدا أن يهيمنوا على عقولهم وأفكارهم .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت