أما حكمة هذا فلسنا في حلٍّ من الجزم بها , لأننا حينئذ نتألَّى على الله مالم يبين لنا من حكمة, ونفرض على أوامره أسبابًا وعللا , قد لاتكون هي الأسباب والعلل الحقيقية , أو قد تكون ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها , ويعلم سبحانه أن فيها الخير والمصلحة .. وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف , أو أي حكم في شريعة الله لم يبين الله سببه محددا جازما حاسما فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف, أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف , مما يدركه عقله ويحسن فيه , فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال . ولايجزم - مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله- بأن ما رآه هُوَ حكمةً , هو الحكمةُ التي أرادها الله .. نصا .. ,ليس وراءها شيء , وليس من دونها شيء ! فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله . ومقتضى مابين علم الله ومعرفة الإنسان من اختلاف في الطبيعة والحقيقة .
وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة .. نذكر مايتراءى لنا من حكمة وسبب .. على أنه مجرد احتمال .. وندع ماوراءه لله . لانفرض على أمره أسبابًا وعللا , لايعلمها إلا هو .. ولم يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح!
إنها أسباب .. اجتهادية .. تخطيئ وتصيب . وتنقص وتزيد . ولانبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله . وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان .
"أ"ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد , في بيئة معينة , لقوم معينين , وسط ظروف معينة . ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات , تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به. ليخلص من شخصه , ويتجرد من ذاته , ولاتعود ذاته ولا من يلوذون به , محور الحياة في نظره, ودافع الحركة في حياته .. وتربيته كذلك على ضبط أعصابه , فلا يندفع لأول مؤثر - كما هي طبيعته - ولا يهتاج لأول مهيج . ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته .. وتربيته على أن يتبع مجتمعا منظمًا له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته , ولايتصرف إلا وفق ما تأمره - مهما يكن مخالفًا لمألوفه وعادته - وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي , لإنشاء"المجتمع المسلم"الخاضع لقيادة موجهة , المترقي المتحضر , غير الهمجي أو القبلي .
"ب"وربما كان ذلك أيضًا , لأن الدعوة السلمية أشد أثرًا وأنفذ في مثل بيئة قريش , ذات العنجهية والشرف , والتي قد يدفعها القتال معها - في مثل هذه الفترة - إلى زيادة العناد وإلى نشأة ثارات دموية جديدة , كثارات العرب المعروفة , التي أثارت حرب داحس والغبراء , وحرب البسوس - أعوامًا طويلة , تفانت فيها قبائل برمتها - وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام , فلا تهدأ بعد ذلك أبدا . ويتحول الإسلام من دعوة إلى ثارات وذحول تنسى معها فكرته الأساسية , وهو في مبدئه فلا تذكر أبدًا !
"ج"وربما كان ذلك أيضًا , اجتنابًا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت . فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة , هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم . إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء كل فرد , يعذبونه هم ويفتنونه ويؤدبونه ! ومعنى الإذن بالقتال - في مثل هذه البيئة - أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت .. ثم يقال: هذا هو الإسلام ! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال ! فقد كانت دعاية قريش في الموسم , في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمدا يفرق بين الوالد وولده , فوق تفريقه لقومه وعشيرته ! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد , والمولى بقتل الولي .. في كل بيت وكل محلة ؟
"د"وربما كان ذلك أيضًا , لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم , ويعذبونهم ويؤذونهم , هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص , بل من قادته . ألم يكن عمر بن الخطاب من بين هؤلاء ؟!
"هـ"وربما كان ذلك , أيضًا , لأن النخوة العربية , في بيئة قبلية , من عادتها أن تثور للمظلوم , الذي يحتمل الأذى , ولايتراجع ! وبخاصة إذا كان الأذى واقعًا على كرام الناس فيهم.. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة - في هذه البيئة - فابن الدَّغِنَّة لم يرض أن يترك أبا بكر - وهو رجل كريم - يهاجر ويخرج من مكة , ورأى في ذلك عارًا على العرب ! وعرض عليه جواره وحمايته .. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب, بعد ما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة .. بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذل , قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة , وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي !