أما بالنسبة للمجال الدعوي، فهي القضية نفسها بالنسبة للداعية، فإذا أدرك مهمته والدور الملقى على عاتقه، فإن من فقه الطريق أن يهتم ببناء العلاقة القوية داخل الصف التي لا تقوم حتى يدرك كل فرد دوره المطلوب، ثم يؤديه بفاعلية ورغبة، وهذا بدوره لا يتم حتى تشيع روح البذل والعطاء الذي يرويه وينميه ماء الثقة بين الأفراد.
ومن فقه المرحلية: أولًا: أن يركز على (الشرط النوعي) ، بأن يدقق في اختيار نوعية أفراد كل مرحلة، ورجال كل مهمة، أولئك الرجال الذين يكثرون عند المغرم، ويقلون عند المغنم، أولئك الرجال الذين يطمعون في إنجاز معالي الأمور، )وهم الذين يبحث عنهم عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - حين قال لجلسائه: تمنوا! فتمنى كل واحد أمنيته، فقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: ولكني أتمنى بيتًا مملوءًا رجالًا مثل أبي عبيدة وسالم مولى أبي حذيفة؛ إن سالمًا كان شديدًا في ذات الله ولو لم يخف الله ما أطاعه (( 15) .
نعم لا بد من الرجال، فمن استعان بصغار رجاله على كبار أعماله ضيع العمل (16) ، فالأعمال الكبار يطلب لها كبار الرجال. قال رجل لعبد الله بن عباس - رضي الله عنه: أتيتك في حاجة صغيرة، قال: فاطلب لها رجلًا صغيرًا" (17) (18) ."
فالطريق طويل، والسفر موحش، والكيد الشيطاني منظم ومركب، ولا يطيق التحدي إلا الرواحل، تلك النوعية المنشودة، والعملة النادرة، (إنما الناس كالإبل المائة لا تكاد تجد فيها راحلة) (19) .
إيجابية منضبطة:
المؤمنون ستار لقدر الله: (( وَإذْ بَوًَّانَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ أَن لاَّ تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ * وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يًَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يًَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ * لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّنْ بَهِيمَةِ الأَنْعَامِ فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا البَائِسَ الفَقِيرَ * ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ العَتِيقِ ) ) [الحج: 26-29] .
بتوجيه منه - سبحانه - وبإعانة وتوفيق إلهي كانت البداية، وكان التكليف، بأن ينشأ هذا البيت على يد إبراهيم - عليه السلام -، حيث عرَّفه الحق - سبحانه - مكانه، كما ورد في بعض الروايات عن طريق جبريل - عليه السلام - وملكه أمره ليقيمه على أساس قاعدة التوحيد، فيكون خالصًا له - سبحانه - وحده، وأن يجهزه تجهيزًا خاصًا، بأن يطهره من الشرك، وأن يجعله للناس جميعًا، لكل الناس، سواء المقيم فيه والطارئ عليه، فيخصص للطائفين به والقائمين لله فيه.
ثم أمره بعد ذلك أن ينادي في الناس بالحج وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام، ووعده أن يلبي الناس دعوته، فيأتوا من كل طريق بعيد، مشاة على أرجلهم، وركوبًا على كل بعير مهرول من بعد المشقة.
وما زال وعد الله يتحقق إلى اليوم والغد. وما تزال أفئدة من الناس تهوي إليه، تلبية لدعوته - عليه السلام - منذ آلاف الأعوام.
ونستطيع أن نستشف هذا التفاعل من الآتي: أنه - سبحانه - أوحى إلى إبراهيم - عليه السلام - أن يسكن ذريته في هذا المكان القريب من البيت الحرام بالذات، فقام الخليل - عليه السلام - بنقل هاجر وابنها بجهده البشري.
ثم أراد الحق - سبحانه - أن يعمر هذا المكان بالبشر فكان جهاد هاجر من أجل الماء، ثم تفجر ماء زمزم.
ثم أراد الحق - جل وعلا - أن يُعد هذه الأسرة لمهمة عظيمة، يتوارث آثارها الأجيال، فكان تفقد إبراهيم - عليه السلام - لأسرته، وأمره ولده أن يعيد اختيار الزوجة التي ستشاركهم، هذا العمل الكبير.
ثم أراد - سبحانه - أن يُبنى البيت، فدل إبراهيم - عليه السلام - على مكانه، فقام الخليل وإسماعيل - عليهما السلام - بالبناء.
وعندما أراد الحق - سبحانه - إعمار هذا البيت أمر إبراهيم - عليه السلام - أن يقوم بدوره فيؤذن، وينادي في الناس، ويدعوهم. ووعده الحق - سبحانه - أن الناس من كل مكان وفي كل عصر سيلبون ذلك النداء الجليل. لذا يتبين لنا أن إرادة الله - عز وجل - لتحقيق عمل ما تقوم على دعامتين أساسيتين ومتلازمتين:
1-المدد الإلهي.
2-الجهد البشري.