ونحن نتجاوز هذا المعنى القريب، إلى المجال الأوسع، إلى ما يهمنا في هذا البحث المتواضع، وهو مدى أهمية الدور التفقدي للقيادة لكل الأفراد، وأن لا تحابي أحدًا على حساب أحد.
ويتبين مدى أهمية المتابعة لكل الأفراد، ولو كان في ذلك مشقة، حتى ولو كان هناك من الأمور العظيمة، التي تشغلها؛ فالتوازن بين الواجبات مطلوب.
ولقد كان هذا الدور من الأركان البارزة في سيرته - صلى الله عليه وسلم - ومنهجه التربوي، سواء في المجال الاجتماعي الحياتي، أو في المجال العسكري.
وتدبر موقفه عندما زوج - صلى الله عليه وسلم - جليبيبًا الأنصاري من إحدى بنات بني الحارث بن الخزرج - رضي الله عنهم - دعا لزوجه دعاء طيبًا: (اللهم صب عليها الخير صبًا صبًا ولا تجعل عيشها كدًا كدًا) . ثم افتقده في إحدى المغازي له فقال: (هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا ونفقد فلانًا. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: نفقد فلانًا ونفقد فلانًا. ثم قال: هل تفقدون من أحد؟ قالوا: لا. قال: لكني أفقد جليبيبًا، فاطلبوه في القتلى. فنظروا فوجدوه إلى جنب سبعة قد قتلهم، ثم قتلوه. فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: هذا مني وأنا منه، أقتل سبعة ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه، أقتل سبعة ثم قتلوه؟ هذا مني وأنا منه. فوضعه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على ساعديه ثم حفروا له، وما له سرير إلا ساعدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، حتى وضعه في قبره. قال ثابت: فما في الأنصار أيم أنفق منها) (11) .
هذا الدور القيادي من الخطورة بمكان؛ ليس على الأفراد المعنيين فقط، بل على المجموع.
وتدبر هذه الحادثة المشهورة التي حدثت أثناء الاستعداد لغزوة (تبوك) ، حيث حكى كعب بن مالك -رضوان الله عليه - عن هذه القاصمة قائلا: (ولم يكن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يريد غزوة إلا ورَّى بغيرها حتى كانت تلك الغزوة، فغزاها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في حر شديد، واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا، واستقبل عددًا كثيرًا، فجلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم، فأخبرهم بوجههم الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كثير ولا يجمعهم كتاب حافظ - يريد بذلك الديوان - قال كعب: فقلَّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى به ما لم ينزل فيه وحي من الله) (12) فتأمل هذا الموقف الذي شعر به هذا الصحابي الجليل: فالعدد كثير، وليس هناك كتاب، مما يشعر المرء بأنه ليس هناك من يلاحظ تغيبه، ويتابعه، ولكن وجود المربي الواعي المتفقد كان العاصمة التي قال عنها كعب - رضي الله عنه: (ولم يذكرني رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى بلغ تبوك، فقال - وهو جالس في القوم بتبوك: ما فعل كعب بن مالك؟) (13) .
لهذا لم يعبث المبطلون بتركته - صلى الله عليه وسلم -، ولم يتعرض قومه لغواية الشياطين، ولم يجد السامريون أي ثغرة ليدخلوا منها إلى الصف، كما حدث مع موسى - عليه السلام -.
وعلى الداعية، أن يحذر السامريين، فيهتم بالتوازن بين الواجبات الملقاة على عاتقه، نحو دعوته وأهله ونفسه، فلا ينشغل بجانب على حساب الآخر، لأن كل واجب إنما هو ثغرة، ولكل ثغرة سامري يتربص بها إذا انشغل أو غاب عنها، ولم تشفع له نيته الحسنة، ولا سمو المهمة التي شغلته عنها، أن يضع نفسه في موقف المؤاخذة والحساب.
الشرط النوعي... الرواحل:
من فقه المرحلة... اختيار افرادها: قد طلب الخليل من إسماعيل - عليهما السلام - في زيارته التفقدية الأولى أن يطلق زوجته الأولى، وطلب منه أن يبقي معه زوجته الثانية في زيارته الثانية.
من خلال هذه الصفحة الناصعة من سيرة تلك الأسرة المباركة، يتبين لنا عدة ملامح تربوية: منها مدى العلاقة القوية بين أفراد تلك الأسرة المباركة، ومنها مدى الحب والود والرعاية التي يكنها الوالد لولده، ومدى الاحترام والطاعة من الابن تجاه الأب، وعظم مقدار الثقة المتبادلة بين الوالد وولده.
وكذلك نتبين الملمح التربوي العظيم، وهو أن هذه الأسرة مقبلة على مرحلة عظيمة تتطلب نوعية معينة من الأفراد، للقيام بها والمشاركة في صنعها، وتحمل أعبائها.
وعندما يدرك الداعية عظم المهمة الملقاة على عاتقه، عليه أولًا وقبل أن يرفع يديه بالدعاء العظيم: (( رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ واجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إمَامًا ) ) [الفرقان: 74] ، عليه أن يدرك خطورة الاختيار، اختيار المشاركين معه المهمة الإمامة والقيادة للبشر، فيدقق في اختيار من ستشاركه الطريق، بل ويدرك مسؤوليته في اختيار من سيشاركن ذريته مسؤولية أن يكونوا للمتقين إمامًا، ويرى كما)رأى إبراهيم - عليه السلام - أن هذه المرأة لا تصلح أن تكون زوجة لنبي رسول يُعد لأن يسود ويقود ويربي أهله وأولاده والناس من حوله، فالزوجة التي تطيل الشكوى، وتكثر التبرم لا يمكنها أن تكون عونًا لزوجها على المهمات الكبار التي يُعد لها (( 14) .