تنمية فن استطار التوفيق الالهي: عندما انطلق الخليل - عليه السلام - حتى إذا كان عند الثنية التي بأعلى مكة في طريق منى وعرفات وهو الموضع الذي دخل منه النبي - صلى الله عليه وسلم - مكة وأصبح لا يرونه، استقبل إبراهيم - عليه السلام - بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الكلمات: (( رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) )
[إبراهيم: 37] .
عندما يتأمل المسلم هذه الوقفة الإبراهيمية التربوية، بعد أن صدع بأمر ربه، وأخذ بأسباب معيشة هاجر وابنها، وبعد أن أجاب على تساؤل هاجر، وطمأنها، واقتنعت ورضيت، ثم اتجه إلى الركن الشديد، إليه - سبحانه - معلنًا أنه قد أسكن بعض أبنائه بهذا الوادي المجدب المقفر المجاور لبيت الله الحرام، ذكر الوظيفة التي أسكنهم في هذا الوادي الجدب ليقوموا بها، وهي إقامة الصلاة، وهي التي يتحملون هذه المشقة من أجلها، ثم دعا الحق - سبحانه - أن يرقق قلوب البشر ويضع فيها حب هذا المكان، فتتشوق وتسرع، وتفد من كل فج، وأن يرزق أهل المكان الخير مع هؤلاء القادمين، ليتمتعوا، وليكونوا من الشاكرين.
والتوفيق الإلهي هو الرصيد الأهم والمعلم الرئيس لأي حركة دعوية يقع على عاتقها إقامة مشروع الأمة الحضاري، وإيراده هنا حسب تسلسل القصة.
وهو رصيد يميز أهل الحق وأصحاب الدعوات عن غيرهم من أهل الباطل، وهو الركن الشديد الذي يلوذ به كل رسول وكل داعية؛ خاصة أثناء لحظات الدعوة الحرجة، وبعد أن تنقطع كل السبل وتتهاوى في الإسناد، وبعد الاجتهاد في الأخذ بكل الأسباب. وتدبر موقفه - صلى الله عليه وسلم - وهو عائد حزين من الطائف، وهو يؤكد لزيد بن حارثة - رضي الله عنه - على أهمية هذا المعلم الأساسي والركيزة الأهم لأصحاب الدعوات: (يا زيد! إن الله جاعل لما ترى فرجًا ومخرجًا، وإن الله ناصر دينه ومظهر نبيه) (9) .
لذا؛ فإن الداعية مطالب باستشعار فضل القوة التي أنجت إبراهيم - عليه السلام - من النار، وموسى - عليه السلام - من فرعون، ويونس - عليه السلام - من بطن الحوت، ومحمد - صلى الله عليه وسلم - في الغار وفي بدر وأثناء محنة حنين، وعليه أن يتذكر أنهم قد نجوا بالدعاء وطلب العون منه - سبحانه - بعد الأخذ بالأسباب؛ وذلك حتى يكتمل تجردهم وخلوصهم من الركون إلى أي سبب دونه - جل وعلا -.
فلا يصح للداعية أن تكون نظرته للأحداث محدودة المدى وقاصرة التفسير، فأقداره - سبحانه - دائمة الأحداث، ودائمة الحركة، (( لا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا ) ) [الطلاق: 1] ، والوجود كله من طبيعته التغير والتبدل، حسب (سنة التداول الإلهية) التي كان لها الأثر الطيب على النفوس المؤمنة التي خرجت لتوها من المحنة العظيمة والمصيبة الكبرى في أحد (( وتِلْكَ الأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ ) ) [آل عمران: 140] .
والمؤمن دومًا يحدوه منهج الخليفة الخامس الراشد عمر بن عبد العزيز رضوان الله عليه - في التعامل مع أقداره - سبحانه - عندما سئل: ما تشتهي؟ قال: ما يقضي الله - عز وجل -.
ويغمره حسن الظن بربه، كما وجهه الحبيب - صلى الله عليه وسلم:"قال الله - عز وجل - في الحديث القدسي: (أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه حيث ذكرني) (10) ."
وكذلك كان الخطاب القرآني واضحًا وصريحًا للمؤمنين، ليوجههم إلى حسن الظن بأقداره - سبحانه - فهي دومًا إلى خير ويسر: (( سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا ) ) [الطلاق: 7] .
لكل ثغرة... سامري:
الدور التفقدي للقيادة والمتابعة المستمرة: وتذكر تلك اللمحة التاريخية أن الخليل - عليه السلام - استأذن سارة أن يذهب لزيارة هاجر وإسماعيل - عليه السلام - فأذنت له، وشرطت عليه ألا ينزل، فركب البراق، وتوجه نحو مكة، وقصد المكان الذي تركهما فيه، فوجد هاجر قد ماتت، ولم يجد إسماعيل - عليه السلام - فسأل امرأته عنه وعن أحوالهم، فأخبرته أن زوجها خرج للرزق، وشكت له سوء الحال، فأخبرها أن تقرئ زوجها السلام وأن يغير عتبة بابه، ففهم الابن أن والده قد زاره ويأمره أن يطلق زوجته ففعل، وفي الزيارة الثانية قابلته الزوجة الثانية بترحاب وأدب، ولم تشك سوء الحال، وأثنت على الله - سبحانه - وأحسنت إلى الأب، فأخبرها أن تقرئ زوجها السلام، وتخبره أن عتبة بابه قد استقامت، ففهم الابن رسالة الوالد، وأنه طمأنه على حاله وعلى أهله. من هذه اللمحة التربوية الإبراهيمية، ندرك أهمية الدور التفقدي الاجتماعي للأب، حيال أسرته، رغم بعد المسافات، ويتبين مدى الرقي في سلوك الخليل - عليه السلام - وهو يراعي شعور زوجته سارة، وهو يستأذنها، ويراعي الطبيعة البشرية، وغريزة الغيرة، ولم يمنعه ذلك من أن يتفقد باقي أحوال الأسرة الطيبة المباركة - عليهم السلام - جميعًا.