تنمية روح الجماعية: عندما جاء إبراهيم - عليه السلام - في المرة الثالثة يزور ابنه، ويستطلع أحواله، وجده هذه المرة في الديار جالسًا يبري نبله تحت تلك الدوحة التي تركه تحتها صغيرًا عندما جاء به أول مرة لتلك الديار، فقام إسماعيل - عليه السلام - فصنعا ما يصنع الوالد بالولد والولد بالوالد من التسليم والمعانقة والتقبيل ونحو ذلك، ثم قال إبراهيم - عليه السلام: (يا إسماعيل إن الله أمرني بأمر!! قال: فاصنع ما أمركَ ربُكَ. قال: وتعينني؟ قال: وأعينُكَ. قال: فإن الله أمرني أن أبني بيتًا ها هنا ـ وأشار إلى أكمةٍ(1) مرتفعةٍ على ما حولها ـ فعند ذلك رفع القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة، وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء، جاءَ بهذا الحجر فوضعه له، فقام عليه وهو يبني ـ أثناء البناء، وهو مقام إبراهيم الآن ـ وإسماعيل يناوله الحجارة، وهما يقولان: (( رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ ) ). [البقرة: 127] (2) .
من هذه الحادثة، في تاريخ تشييد هذا البيت، نستشعر كيف أن الخليل - عليه السلام - بعد أن عرّفه الحق - سبحانه - مكان البيت، ثم أوحى إليه - سبحانه - بأن يبنيه، ذهب إلى المكان، ثم طلب معونة ابنه - عليهما السلام - والذي لم يتردد كالعهد به دائمًا مع والده، فبادر وشاركه في بناء هذا الصرح العظيم.
وهكذا انتقل هذا المشروع العظيم إلى مرحلة جديدة، وآن لحامل تلك المهمة العظيمة أن ينتقل بها إلى أرض الواقع؛ إلى التطبيق. لقد انبعثت من قلب الخليل - عليه السلام -، وبوحيٍ من الله - سبحانه -، لتترجم إلى عمل عظيم، وكان من ضروريات الحركة في مجال التطبيق أن تقوم على عمل جماعي يشارك فيه كل من يقدر عليه، وذلك بعد إعداده وإعداد أسرته لتحمل التبعات.
ومن هذه اللمحة الإبراهيمية التربوية، يستشعر الداعية أهمية (الشرط الكمي) للمشروع الحضاري المنشود لإنقاذ الأمة، أي ضرورة العمل الجماعي، وأهمية انتقاء الأفراد المشاركين؛ فالتنفيذ يستلزم جماعية، والجماعية لا يقوم عليها إلا من أعد لها.
وهذا الملمح يرسم تحذيرًا يربأ بالداعية عن خطر الفردية، ويذكره بمصير الشاة القاصية، كما حذّر الصادق المصدوق - صلى الله عليه وسلم: (إن الشيطان ذئب الإنسان كذئب الغنم يأخذ الشاة القاصية والناحية، وإياكم والشعاب، وعليكم بالجماعة والعامة) (3) .
وهو أيضًا، يرسم ويخط أملًا عظيمًا، وغاية منشودة: (من أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة) (4) .
الشرط المكاني... الأرض:
أهمية وجود نقطة تجميع وانطلاق: وهذا المرتكز الدعوي والمعلم المهم نستشعره من قوله - سبحانه - وهو يقص على أجيال حملة المنهج الإلهي في كل عصر وفي كل مكان تلك الخطوة المهمة في تاريخ هذا العمل العظيم، والمشروع الكبير: (( وَإذْ بَوًَّانَا لإبْرَاهِيمَ مَكَانَ البَيْتِ ) ) [الحج: 26] ، (( وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ ) ) [البقرة: 127] .
هكذا أراد الحق - سبحانه - أن تكون الخطوة العظيمة في هذا العمل العظيم، أن يُحدد المكان المختار، وأن تُحدد له الأرض التي سيقام عليها.
فلا بد من مركز تجميع وانطلاق، مركز يجتمع حوله المؤمنون بالفكرة، ويثوبون إليه، ويحتمون به. وهو في الوقت نفسه مركز لانطلاق الفكرة؛ فراية الخير تحتاج إلى مكان توضع عليه، ويُعرف بها.
وأي فكرة وإن كانت صحيحة وأصيلة لا بد لها من عوامل تجعلها فعالة، ولا بد لها من شروط تجعلها قابلة للتنفيذ.
وأهم هذه الشروط هو وجود الأرض التي ستترجم عليها عمليًا، ثم تنطلق منها.
هكذا فهمها رائد الدعاة وسيد الأولين والآخرين - صلى الله عليه وسلم -؛ وكان مشروع الهجرة الكبير إلى المدينة، ليجعل منها ـ وذلك بعد دراسة وتخطيط ـ مرتكزًا للانطلاق، ومركزًا للإشعاع الحضاري، وأرضًا صالحة ثابتة راسية توضع على قمتها علامة التجميع ومنارة الهدى، وتثبت فوقها راية الخير.
وعلى المربين أن يركزوا على أهمية هذا المَعْلم الدعوي العظيم الذي يعتبر من أخطر المنعطفات في سير الدعوة؛ لأهميته بالنسبة للفكرة ولحامليها.
ظاهرة التآكل الروحي:
تنمية الجانب الروحي: ورد عن الخليل - عليه السلام - في سياق قصة بناء البيت الحرام عديد من المواقف التي كان يداوم فيها على التوجه إليه - سبحانه - بالأدعية الطيبة التي شهدت لها الأحداث بعدها بالقبول والاستجابة، منها: (( رَبَّنَا إنِّي أَسْكَنتُ مِن ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِندَ بَيْتِكَ المُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِّنَ النَّاسِ تَهْوِي إلَيْهِمْ وَارْزُقْهُم مِّنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ ) ) [إبراهيم: 37] .
ومنها: (( وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ المَصِيرُ ) ) [البقرة: 126] .