ومنها: (( وَإذْ يَرْفَعُ إبْرَاهِيمُ القَوَاعِدَ مِنَ البَيْتِ وَإسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ العَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ * رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ ) ) [البقرة: 127 - 129] .
وماذا في ثنايا الدعاء؟ إنه أدب النبوة، وإيمان النبوة، وشعور النبوة بقيمة العقيدة في هذا الوجود. وهو الأدب والإيمان والشعور الذي يريد القرآن أن يعلمه لورثة الأنبياء وأن يعمقه في قلوبهم ومشاعرهم. إنه طلب القبول؛ هذه هي الغاية؛ فهو عمل خالص لله، والغاية المرتجاة من ورائه هي الرضا والقبول؛ والرجاء في قبوله متعلق بأن الله سميع الدعاء.
ثم تأتي الدعوة التي تكشف عن اهتمامات القلب المؤمن؛ فإن أمر العقيدة هو شغله الشاغل، وهو همه الأول، وهو الشعور بنعمة الإيمان الذي دفعهما - عليهما السلام - إلى الحرص عليها في عقبهما، وإلى دعاء ربهما ألا يحرم ذريتهما هذا الإنعام، وهو نعمة الإيمان، وأن يريهم جميعًا مناسكهم، ويبين لهم عباداتهم، وأن يتوب عليهم؛ لأنه هو التواب الرحيم، وألا يتركهم بلا هداية في أجيالهم البعيدة بأن يبعث في أهل بيته رسولًا منهم، فاستجاب الله لهما، وأرسل من أهل البيت محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم -، وحقق على يديه الأمة المسلمة القائمة بأمر الله، الوارثة لدينه. وكانت الاستجابة بعد قرون وقرون؛ إن الدعوة المستجابة تتحقق في أوانها الذي يقدره الله بحكمته؛ غير أن الناس يستعجلون (5) .
من هذا الملمح الطيب، يمكننا أن نتبين أهمية تلك الدعامة المهمة التي ذكرناها تحت الركيزة الثامنة التي تدعو إلى وجوب (تنمية فن استمطار التوفيق الإلهي) ، وذلك بالدعاء الخاشع، والثقة فيما عنده وحسن الظن به - سبحانه - ولذلك فإننا نقول: إن دعائم طريق الداعية ثلاث: الفكرة الربانية، والعمل الدؤوب، والدعاء الخاشع.
إنها أسرار مباركة للدعاء، لا يشعر بها إلا من مر بتجربة خاصة يستشعر فيها كيف أن الحق - سبحانه - يمن على عباده المتقربين إليه، المتذللين له بأنواع العبادة المختلفة، فيجدونها وقد استحالت من مجرد قوى معنوية، إلى قوى مادية ربانية ذات آثار ملموسة ومعلومة. وبذلك يُفتح للعبد أبواب متعددة من أبواب التربية الروحية.
ولقد كانت وصايا الحبيب - صلى الله عليه وسلم - بالدعاء وآثاره القوية العظيمة تفوق الحصر، منها: (لا يُغني حذرٌ من قدر، والدعاء ينفع مما نزل ومما لم ينزل، وإن الدعاء ليلقى البلاء فيعتلجان إلى يوم القيامة) (6) .
من هذه اللمحة التربوية، نستطيع أن نضع أيدينا على بعض الحلول التي تفيدنا في علاج ظاهرة تربوية مرضية وهي (ظاهرة التآكل الروحي) عند الداعية، وهي ظاهرة تنشأ من خلل في التوازن التربوي بين طاقات العبد الثلاثة وهي: طاقة العقل، وطاقة البدن، وطاقة الروح؛ حيث يقل حظ الجانب الروحي في أعمال العبد مثل التفريط في بعض الفرائض وغيرها من أعمال اليوم والليلة من السنن، كالذكر والدعاء والاستغفار، وتلاوة القرآن، وينشأ نوع من الانفصام المركب: داخليًا يستشعر فيه العبد قسوةً وجفاءً مع نفسه، وخارجيًا يستشعر فيه قسوةً وجفاءً مع الوجود كله، فيتنكران له؛ فما هي بالنفس وما هو بالوجود الذي يعرفهما. وخطورة هذه الظاهرة هو أن هذا التآكل يهدد الأساس الذي يبني الربانيين الذين سيحملون القول الثقيل ليس إلى البشرية فقط، بل إلى الوجود كله، وتدبر مغزى هذه التوجيهات الكريمة المبكرة في عمر الدعوة والداعية: (( يَا أَيُّهَا المُزَّمِّلُ(1) قُمِ اللَّيْلَ إلاَّ قَلِيلًا (2) نِّصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ القُرْآنَ تَرْتِيلًا (4) إنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا (5) إنَّ نَاشِئَةَ اللَّيْلِ هِيَ أَشَدُّ وَطْئًا وَأَقْوَمُ قِيلًا )) [المزمل: 1 - 6] .
العلاقات الصحيحة:
أهمية بناء الثقة بين الأفراد: وفي تدبرنا لطبيعة العلاقات الداخلية بين أفراد هذه الأسرة المباركة الطيبة؛ وذلك من خلال قراءتنا لمواقفهم في كل مراحل بناء البيت الحرام، يمكننا ملاحظة الآتي:
1-علاقة الزوج والأب بالأفراد: وبتأملنا سيرة الخليل - عليه السلام - مع أسرته، نجد العلامة الواضحة فيها هي بروز الدور التفقدي والراعي لهم جميعًا، دون محاباة لأحد على حساب أحد، ولكن ما يهمنا هنا هو ثقة إبراهيم - عليه السلام - في زوجته؛ بحيث يستأمنها على وليده ووحيده، وينطلق وكله ثقة في رعايتها له في تلك الظروف الصعبة، ثم ثقته في ولده - عليه السلام - عندما طلب منه تغيير زوجته، ثم مشاركته في بناء البيت الحرام.