فهرس الكتاب

الصفحة 531 من 1236

2-علاقة الزوجة بزوجها: فتدبر تلك القناعة الرفيعة، وذلك الرضا السابغ الذي ملأ قلب هاجر المؤمنة الصابرة حين تركها ووليدها وحيدين في الصحراء؛ وهذا لا ينشأ إلا في ذلك الجو الصحي الذي يظلل العلاقة بينها وبين زوجها؛ ذلك الجو أو البيئة التي تقطر ثقة واحترامًا.

3-علاقة الابن بوالده: في المواقف المختلفة لإسماعيل مع والده - عليهما السلام - أثناء زيارة الخليل - عليه السلام - الأولى إلى أسرته في مكة، وقصده المكان الذي تركهما فيه.

فتدبر هذين الموقفين العظيمين من إسماعيل مع أبيه - عليهما السلام - وهو يطيع توجيهاته كما تصله من زوجته، وما يوحيانه في النفس من إكبار وإجلال لتلك العلاقة القدوة بين الابن وأبيه، والمبنية على الثقة والاحترام.

ثم في أثناء الزيارة الثالثة، عندما قصده والده - عليهما السلام - لإعانته على بناء البيت.

وعندما نأتي إلى قمة المحنة؛ حيث تعرضت هذه العلاقة لاختبار عظيم، عندما أمر الله ـ - عز وجل - ـ إبراهيم عليه السلام أن يذبح ابنه إسماعيل - عليه السلام: (( قَالَ يَا بُنَيَّ إنِّي أَرَى فِي المَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ ) ) [الصافات: 102] .

فتدبر أيضًا هذه المبادرة إلى الطاعة بمجرد أن يأمر الوالد ولده، وذلك في كلا الموقفين العصيبين، وما كانت هذه الطاعة لولد إلا في أجواء الثقة العميقة.

ونستزيد من سيرة القيادة العظيمة في مجال آخر، من مواقف الحبيب - صلى الله عليه وسلم - والجنود من حوله، ونستشعر مدى الثقة العظيمة المتبادلة التي كانت تظلل العلاقة بينهم، وما تؤدي إليه من حب للبذل، واستشرافٍ للعطاء، وقوةٍ في البناء.

لأنه (على قدر الثقة المتبادلة بين القائد والجنود تكون قوة نظام الجماعة، وإحكام خططها، ونجاحها في الوصول إلى غايتها، وتغلبها على ما يعترضها من عقبات وصعاب،(( فَأَوْلَى لَهُمْ * طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَّعْرُوفٌ ) ) [محمد: 20، 21] ، والثقة بالقيادة هي كل شيء في نجاح الدعوات) (7) .

ولنا أعظم مثال في ثقة الجندي في قيادته ما كان من موقف أبي بكر ـ رضوان الله عليه ـ عندما سعى إليه رجال يسألونه عن حادث الإسراء والمعراج، فقال قولته الخالدة: (إن كان قال ذلك فقد صدق، قالوا: أتصدقه على ذلك؟ قال: إني لأصدقه على أبعد من ذلك. فسُمي من ذلك اليوم صديقًا) (8) .

وتدبر ثقة القيادة المتبادلة، في جنودها وأنصارها، فيما رواه أبو هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (بينا راعٍ في غنمه عدا عليه الذئب ـ أي هجم عليه ـ فأخذ منه شاة، فطلبه الراعي ـ أي أراد إنقاذ الشاة منه ـ حتى استنقذها منه، فالتفت إليه الذئب، فقال له: من لها يوم السبع ـ أي عند الفتن حين يتركها الناس نهبة للسباع ـ، يوم ليس لها راع غيري؟!) فقال الناس: سبحان الله! فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر) (9) .

وظيفة عظيمة... وأجرٌ أعظم!

أهمية فقه الدور المطلوب وأجره الموعود: لقد أمر الحق - سبحانه - الخليل ا أن يؤذن في الناس، فيبلغهم ويدعوهم؛ ووعده بالإجابة: (( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يًَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يًَاتِينَ مِن كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ ) ) [الحج: 27] ، (أي: نادِ في الناس بالحج داعيًا لهم إلى الحج، إلى هذا البيت الذي أمرناك ببنائه، فُذكر أنه قال: يا رب كيف أبلّغ الناسَ صوتي ولا ينفذهم. فقال: نادِ وعلينا البلاغ. فقام على مقامه، وقيل على الحجر، وقيل على الصفا، وقيل على أبي قبيس، وقال: يا أيها الناس! إن ربكم قد اتخذ بيتًا فحجّوه. فيقال إن الجبال تواضعت حتى بلغ الصوت أرجاء الأرض، وأسمع من في الأرحام والأصلاب، وأجابه كل شيء سمعه من حجر ومدر وشجر، ومن كتب الله أنه يحج إلى يوم القيامة: لبيك اللهم لبيك) (10) .

من هذه اللمحة التاريخية، يمكننا أن نضع أيدينا على قاعدة ذهبية من قواعد الدعوة إلى الله ـ - عز وجل - ـ وركيزة هامة من ركائز البناء.

ونحن نضيف بها مَعْلَمًا جديدًا، وهو أن حَمَلَة هذه الفكرة الربانية العظيمة، ودعاة هذا المشروع الحضاري، قد كلفهم الحق - سبحانه - بوظيفة ووعدهم بالأجر العظيم على حسن أداء تلك الوظيفة.

أما الوظيفة: فهي هداية الناس إلى هذا المنهج، وإرشادهم إلى الحق والهدى، وهو دور عظيم يقع بمجرد البلاغ: (( فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إلاَّ البَلاغُ المُبِينُ ) ) [النحل: 35] ، ويتضح ذلك في أمره - سبحانه - لإبراهيم - عليه السلام: (( وَأَذِّن فِي النَّاسِ بِالْحَجِ ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت