وأما الأجر: فهو عظيم وشامل وسابغ، ويمتد من الدنيا إلى الآخرة، فيبدأ من تضاعف الثواب: (من دل على خير فله مثل أجر فاعله) (11) ويرقى إلى بلوغ مقام الخيرية والشهادة على الخلق؛ لأن خيرية هذه الأمة، إنما كانت بخروجها إلى الناس، والاختلاط بهم، ودعوتهم إلى الخير، ونهيهم عن الشر، وإيمانها بالله - سبحانه: (( كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تًَامُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ) ) [آل عمران: 110] .
ثم يصل إلى الجزاء العظيم؛ وهو النجاة في الدنيا والآخرة: (( وَلَمَّا جَاءَ أَمْرُنَا نَجَّيْنَا هُودًا وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِّنَّا وَنَجَّيْنَاهُم مِّنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ ) ) [هود: 58] .
وهذا الأجر يقع بمجرد الدعوة، ولا يتوقف على الاستجابة: (( فَإنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا إنْ عَلَيْكَ إلاَّ البَلاغُ ) ) [الشورى: 48] ؛ لأن أمر الهداية بيده - سبحانه: (( إنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاءُ ) ) [القصص: 56] .
إذن فلا حرج على الداعية ولا تثريب ولا إحباط إذا لم يثمر بلاغه، ولم يستجيبوا له: (( فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الحَدِيثِ أَسَفًا ) ) [الكهف: 6] ، وتدبر أمر الحق - سبحانه - للخليل - عليه السلام: (نادِ وعلينا البلاغ) . أي أدّ دورك بأمثل طريقة، ودع النتائج عليه - سبحانه -.
والداعية يخرج من هذا الملمح التربوي الفريد بسهام وافرة الغنائم حول فقه هذه الوظيفة من حيث ماهيتها ومنهجية تنفيذها والأجر المترتب عليها، وكيفية تلقي التكاليف وحسن تنفيذها، وحسن عرض البضاعة الربانية العظيمة، وضرورة استشعار خطورة بلوغ درجة البلاغ المبين للفكرة، وفهم الدور المطلوب، واستشعار عظم الأجر.
ثم ـ وهذا هو الأهم ـ استشعار هذا التفاعل والتعاضد الفريد بين دور البشر ودور المدد الرباني في تنفيذ المشروع الحضاري المنشود. وهذه النقطة هي النبراس الذي يعطي الأمل للعاملين، وهي العلامة الفارقة التي تميزهم عن غيرهم من أصحاب المشاريع المغايرة.
السنن الإلهية... وحماقة الوعل (*) !
أهمية فقه سنة المرحلية والتدرج: هكذا كان منهج التكليف يسير بتدرج ليس فيه تعسف، وبمرحلية ليس فيها تعجل، وبخطة تأخذ في الاعتبار سمو الهدف، ومبلغ الإمكانيات، وكثرة المعوقات.
لقد أمر الحق - سبحانه - إبراهيم - عليه السلام - أن يُسْكن زوجه وولده في ذلك الوادي المقفر، ثم تركهم وكرر زياراته لهذا المكان ليتفقد أحوال أسرته المباركة المرشحة لهذا العمل والمشروع العظيم، وكانت تلك هي مرحلة الإعداد والتهيئة.
وبعد ذلك عرّفه الحق - سبحانه - مكان البيت، وسلمه له، وملكه أمره؛ فكانت هذه مرحلة إعلان نقطة الانطلاق.
ثم أمره أن يقيم البيت على أساس قاعدة التوحيد؛ فيكون خالصًا له - سبحانه - وحده، وأن يجهزه تجهيزًا خاصًا، وكانت هذه بمثابة مرحلة إعلان الفكرة العظيمة للمشروع العظيم.
ثم جاءت بعد ذلك مرحلة الانطلاق والدعوة للفكرة العظيمة؛ حيث أمره أن ينادي في الناس بالحج، وأن يدعوهم إلى بيت الله الحرام، ووعده أن يلبي الناس دعوته، فيأتوا من كل طريق بعيدة، مشاةًَ على أرجلهم، وركوبًا على كل بعير مهزول من بُعْد الشقة. وما زال وعد الله يتحقق إلى اليوم والغد، وما تزال أفئدة من الناس تهوي إليه تلبية لدعوته - عليه السلام - منذ آلاف الأعوام؛ وذلك حتى يتحقق المطلوب، وتتحقق غايات هذا اللقاء السنوي العظيم.
وهكذا الشأن في أمر الأعمال الكبرى، والمشاريع الحضارية العظيمة أن تسير في مراحل، وكل مرحلة لها فقهها ولها ظروفها، وأن تتم هذه المرحلية في تدرج ومنهجية حتى تبلغ الهدف المنشود؛ وذلك؛ لأن (التدرج سنة كونية، وسنة شرعية أيضًا. ولهذا خلق الله السماوات والأرض في ستة أيام، وكان قادرًا أن يقول: كوني فتكون؛ ولكنه خلقها في أيام ستة من أيام الله - تعالى - أي في ستة أطوار أو أزمنة يعلمها الله. وفي هذا المعنى تقول عائشة - رضي الله عنها - واصفة تدرج التشريع ونزول القرآن:(إنما أنزل أول ما أنزل من القرآن سور فيها ذكر الجنة والنار، حتى إذا ثاب الناس إلى الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء: لا تشربوا الخمر ولا تزنوا لقالوا: لا ندع الخمر ولا الزنى أبدًا ) ) (12) (13) .
وقد يستعجل بعض الناس الخُطى، كما استعجل ذلك الفتى الصالح المتحمس عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز ـ رضوان الله عليهما ـ عندما دخل على والده مستبطئًا ومستعجبًا من سياسة والده التدرجية، فقال: (يا أبت! ما يمنعك أن تمضي لما تريده من العدل؟! فو الله ما كنتُ أبالي لو غلت بي وبك القدور في ذلك. قال: يا بني! إني إنما أروّض الناس رياضة الصعب ـ أي الجمل الفحل العنيد ـ إني أريدُ أن أحيي الأمر من العدل فأؤخر ذلك حتى أخرج معه طمعًا من طمع الدنيا، فينفروا من هذه، ويسكنوا لهذا) (14) .