فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 1236

حتى إذا عاوده الاستغراب كرر محاولته ودخل على أبيه، فقال: يا أمير المؤمنين! ما أنت قائل لربك غدًا إذا سألك فقال: رأيتَ بدعة فلم تُمِتها، أو سنة فلم تُحْيِها؟! فقال أبوه: رحمك الله من ولد خير. يا بُني! إن قومك قد شدوا هذا الأمر عقدةً عقدة، وعروةً عروة، ومتى أردتُ مكابرتهم على انتزاع ما في أيديهم لم آمن أن يفتقوا عليّ فتقًا تكثر فيه الدماء. والله لزوال الدنيا أهون عليّ من أن يُهراق في سببي محجمة من دم، أَوَما ترضى أن لا يأتي على أبيك يوم من أيام الدنيا إلا وهو يُميتُ فيه بدعة ويُحيي فيه سنةً؟! (15) .

لهذا كان على المربين من الدعاة ألا يغفلوا هذه الركيزة، وذلك المعلم الدعوي المهم، والسنة الإلهية العظيمة، ولا يتعجلهم متعجل، ولا يستبطئهم مستبطئ.

ظاهرة بخس الناس أشياءهم:

بث روح التقدير والتشجيع: وعندما نستمر في قراءتنا لهذه الأوراق، فإنه يستوقفنا على إحدى صفحات الملف هذا المعلم القرآني الفريد: (( وَاذْكُرْ فِي الكِتَابِ إبْرَاهِيمَ إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًا ) ) [مريم: 41] ، وهي دعوة قرآنية تدعو الحبيب - صلى الله عليه وسلم - وكل من سار على دربه أن يستزيدوا من سيرة الخليل - عليه السلام - بقراءة دعوته، والاستفادة من منهجيته. وتتجاوز هذه الدعوة عمقها التربوي العظيم بهذا التقدير والتشريف الكريم؛ حيث وسمت ملف الخليل - عليه السلام - بختم رباني وعلامة مميزة يُعرف بها، وهي: (( إنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا ) )أي كثير الصدق أو كثير التصديق.

وفي موضع آخر أثناء الحديث عن الخليل - عليه السلام -، نعرف أحد أسباب هذا التقدير والتشريف الموحى به عن خليل الرحمن: (( وَإبْرَاهِيمَ الَذِي وَفَّى ) ) [النجم: 37] ، قال سعيد بن جبير والثوري: أي بلّغ جميع ما أُمر به. وقال ابن عباس: (( وَفَّى ) )لله البلاغ، وقال سعيد بن جبير: (( وَفَّى ) )ما أمر به، وقال قتادة: (( وَفَّى ) )طاعة الله وأدى رسالته إلى خلقه. وهذا القول هو اختيار ابن جرير وهو يشمل الذي قبله ويشهد له قوله ـ - تعالى - ـ: (( وَإذِ ابْتَلَى إبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إمَامًا ) ) [البقرة: 124] ، فقام بجميع الأوامر، وترك جميع النواهي، وبلغ الرسالة على التمام والكمال؛ فاستحق بهذا أن يكون للناس إمامًا يُقتدى به في جميع أحواله وأقواله وأفعاله) (16) .

فتدبر هذا التكريم والتشريف والتقدير الإلهي للخليل - عليه السلام - الذي وفّى كل ما أُمر به، وقدّم نموذجًا طيبًا في البذل، وفي إنشاء مشروع حضاري متكامل.

وتأملْ كيف أن إبراهيم - عليه السلام - وهو من هو ـ كان في حاجة للطيفة ربانية تشعره بالتقدير لتاريخه الناصع، وكذلك بالامتنان على دوره الدعوي، وعلى طاعته لربه - جل وعلا - فما بالك بمن هو دون تلك القمة، ويسكن السفح؟! ويكون في مسيس الحاجة لكلمات تقديرية بسيطة.

من هذه اللطيفة الربانية الكريمة، نستشف مدى السمو والرقي الأخلاقي الذي يتعلمه الناس من هذا القرآن؛ حيث ورد في غير موضع لمحات تربوية قرآنية كلها تحث على وجوب بث روح التقدير وتنمية خلق التشجيع؛ وذلك لكل من شارك في أي بذل، وفي أي مجال من شأنه أن يُسدي خيرًا للناس.

وعلى هذا النهج التربوي، ومن هذا المعين الصافي نجد أن حَمَلَةَ مشعل الدعوة على مر التاريخ البشري، ورواد مسيرة الحركة الدعوية قد خَطّوا معالم خالدة في هذا الباب، ويقف في المقدمة الحبيب - صلى الله عليه وسلم - في وصيته الرائعة: (أنزِلوا الناس منازلهم) (17) .

ولو تدبرنا الجانب الأخلاقي في دعوة نبي الله شعيب - عليه السلام - لوجدناه يتمثل في قوله - تعالى: (( وَلا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ ) )، وهي دعوة كريمة، إلى عدم بخس أشياء الناس؛ ولو استشعرنا مغزاها التربوي البعيد لوجدناه يشمل عدم بخس أي شيء من أي نوع مثل: تقدمهم في العمر، ومكانتهم، وسبقهم الدعوي، ودورهم الريادي، وتقدير كل ما يقدمونه من خير، وكذلك تشجيعهم على أي عمل أو بذل، بل أيضًا بمدح ما يسعدهم من صفاتهم!

وخطر تجاهل هذا المعلم تربويًا من شأنه أن يؤدي إلى ظاهرة دعوية مرضية تسمى: (ظاهرة بخس أشياء الناس) والتي من أدنى مظاهرها تجاهل أعمال الآخر، ومن أعلاها التجريح لأعماله وصفاته، ومن أبسط آثارها على الآخر هو الإحباط، والتثبيط، ومن أخطرها الجروح النفسية التي قد تستعصي على العلاج! ومن آثارها على صاحب هذا السلوك أنه من جهة: يصنف نفسه مع نوعية مذمومة سلوكيًا قال عنها - سبحانه: (( كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ) ) [الأعراف: 38] ، ومن جهة أخرى: أنه يظلم نفسه، ويحرمها من أن يضمها ركب نوعية ممدوحة؛ حيث ينسى أنه (لا يعرف الفضل لأهل الفضل إلا ذوو الفضل) .

الهوامش:

(1) الأكمة: التل.

(2) رواه البخاري، ح/ 3364، وأحمد، ح/2285.

(3) رواه أحمد، ح/21524، وصححه الألباني.

(4) رواه الترمذي: جزء من حديث حسن صحيح غريب 2254، تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي، المباركفوري 6/385.

(5) في ظلال القرآن، سيد قطب، 1/114 ـ 115 بتصرف.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت