فهرس الكتاب

الصفحة 170 من 1236

قلت: ما أحسن ما قاله ، ولقد صدق فيما قال رضي الله عنه . وقال مقاتل: نزلت في مِهْجَع مولى عمر بن الخطاب كان أول قتيل من المسلمين يوم بَدْر؛ رماه عامر بن الحضرميّ بسهم فقتله . فقال النبي صلى الله عليه وسلم يومئذٍ: « سيد الشهداء مِهْجَع وهو أوّل من يُدْعى إلى باب الجنة من هذه الأمة » فجزع عليه أبواه وامرأته فنزلت: { الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا } . وقال الشعبي: نزل مفتتح هذه السورة في أناس كانوا بمكة من المسلمين ، فكتب إليهم أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم من الحديبية أنه لا يقبل منكم إقرار الإسلام حتى تهاجروا ، فخرجوا فأتبعهم المشركون فآذوهم . فنزلت فيهم هذه الآية: { الم أَحَسِبَ الناس أَن يتركوا } فكتبوا إليهم: نزلت فيكم آية كذا؛ فقالوا: نخرج وإن اتبعنا أحد قاتلناه؛ فاتبعهم المشركون فقاتلوهم ، فمنهم من قتل ومنهم من نجا فنزل فيهم: { ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِن بَعْدِ مَا فُتِنُواْ } [ النحل: 110 ] . { وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ } يمتحنون؛ أي أَظنَّ الذين جزعوا من أذى المشركين أن يُقنَع منهم أن يقولوا إنا مؤمنون ولا يمتحنون في إيمانهم وأنفسهم وأموالهم بما يتبيّن به حقيقة إيمانهم .

قوله تعالى: { وَلَقَدْ فَتَنَّا الذين مِن قَبْلِهِمْ } أي ابتلينا الماضين كالخليل ألقي في النار ، وكقوم نشروا بالمناشير في دين الله فلم يرجعوا عنه . وروى البخاريّ عن خَبّاب بن الأَرَتّ: قالوا"شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسِّد بُردة له في ظل الكعبة ، فقلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا . فقال: «قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في الأرض فيجعل فيها فيجاء بالمِنْشار فيوضع على رأسه فيجعل نصفين ويُمَشط بأمشاط الحديد لحمُه وعظمُه فما يصرفه ذلك عن دينه واللَّهِ ليتِمنّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللَّهَ والذئبَ على غنمه ولكنكم تستعجلون» "وخرّج ابن ماجه"عن أبي سعيد الخدريّ قال: دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو يُوعَك ، فوضعت يدي عليه ، فوجدت حرّه بين يدي فوق اللحاف . فقلت: يا رسول الله ما أشدّها عليك . قال: «إنا كذلك يُضعَّف لنا البلاء ويُضعّف لنا الأجر» قلت: يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء» وقلت: ثم من . قال: «ثم الصالحون أَنْ كان أحدهم ليبتلى بالفقر حتى ما يجد إلا العباءة يَحُوبها وأَنْ كان أحدهم ليفرح بالبلاء كما يفرحُ أحدكم بالرخاء» "."وروى سعد بن أبي وقاص قال: قلت يا رسول الله أيّ الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل يبتلى الرجل على حسب دينه فإن كان في دينه صُلْبًا اشتد بلاؤه وإن كان في دينه رقّة ابتلي على حسب دينه فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة» "وروى عبد الرحمن بن زيد أن عيسى عليه السلام كان له وزير ، فركب يومًا فأخذه السبع فأكله ، فقال عيسى: يا رب وزيري في دينك ، وعوني على بني إسرائيل ، وخليفتي فيهم ، سلطت عليه كلبًا فأكله . قال: «نعم كانت له عندي منزلة رفيعة لم أجد عمله يبلغها فابتليته بذلك لأبلغه تلك المنزلة» . وقال وهب: قرأت في كتاب رجل من الحواريين: إذا سلك بك سبيل البلاء فقرّ عينًا ، فإنه سلِك بك سبيل الأنبياء والصالحين ، وإذا سلك بك سبيل الرخاء فابك على نفسك ، فقد خولف بك عن سبيلهم .

قوله تعالى: { فَلَيَعْلَمَنَّ الله الذين صَدَقُواْ } أي فليُرِيَنَّ الله الذين صدقوا في إيمانهم . وقد مضى هذا المعنى في «البقرة» وغيرها . قال الزجاج: ليعلم صدق الصادق بوقوع صدقه منه ، وقد علم الصادق من الكاذب قبل أن يخلقهما ، ولكن القصد قصد وقوع العلم بما يجازى عليه . وإنما يعلم صدق الصادق واقعًا كائنًا وقوعه ، وقد علم أنه سيقع .

وقال النحاس: فيه قولان: أحدهما: أن يكون { صَدَقُوا } مشتقًا من الصِّدْق و { الْكَاذِبِينَ } مشتقًا من الكَذِب الذي هو ضد الصِّدق ، ويكون المعنى؛ فليبينن الله الذي صدقوا فقالوا نحن مؤمنون واعتقدوا مثل ذلك ، والذين كذبوا حين اعتقدوا غير ذلك . والقول الآخر: أن يكون صدَقوا مشتقًا من الصَّدق وهو الصُّلْب ، والكاذبين مشتقًا من كَذَّب إذا انهزم ، فيكون المعنى؛ فليعلمن الله الذين ثبتوا في الحرب ، والذين انهزموا؛ كما قال الشاعر:

لَيثٌ بِعَثَّرَ يصطادُ الرجالَ إذا ... ما اللَّيثُ كَذَّبَ عن أقرانه صَدَقَا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت