فجعل { لَيَعْلَمَنَّ } في موضع فليبينن مجازًا . وقراءة الجماعة: { فَلَيَعْلَمَنَّ } بفتح الياء واللام . وقرأ علي ابن أبي طالب بضم الياء وكسر اللام وهي تبين معنى ما قاله النحاس . ويحتمل ثلاثة معان: الأول: أن يعلم في الآخرة هؤلاء الصادقين والكاذبين بمنازلهم من ثوابه وعقابه وبأعمالهم في الدنيا؛ بمعنى يوقفهم على ما كان منهم . الثاني: أن يكون المفعول الأوّل محذوفًا تقديره؛ فليعلمنّ الناس والعالم هؤلاء الصادقين والكاذبين ، أي يفضحهم ويشهرهم؛ هؤلاء في الخير وهؤلاء في الشر ، وذلك في الدنيا والآخرة . الثالث: أن يكون ذلك من العلامة؛ أي يضع لكل طائفة علامة يشتهر بها .
فالآية على هذا تنظر إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: « من أسر سريرة ألبسه الله رداءها » .
وقال السعدي (1) :
يخبر تعالى عن [تمام] حكمته وأن حكمته لا تقتضي أن كل من قال"إنه مؤمن"وادعى لنفسه الإيمان، أن يبقوا في حالة يسلمون فيها من الفتن والمحن، ولا يعرض لهم ما يشوش عليهم إيمانهم وفروعه، فإنهم لو كان الأمر كذلك، لم يتميز الصادق من الكاذب، والمحق من المبطل، ولكن سنته وعادته في الأولين وفي هذه الأمة، أن يبتليهم بالسراء والضراء، والعسر واليسر، والمنشط والمكره، والغنى والفقر، وإدالة الأعداء عليهم في بعض الأحيان، ومجاهدة الأعداء بالقول والعمل ونحو ذلك من الفتن، التي ترجع كلها إلى فتنة الشبهات المعارضة للعقيدة، والشهوات المعارضة للإرادة، فمن كان عند ورود الشبهات يثبت إيمانه ولا يتزلزل، ويدفعها (1) بما معه من الحق وعند ورود الشهوات الموجبة والداعية إلى المعاصي والذنوب، أو الصارفة عن ما أمر اللّه به ورسوله، يعمل بمقتضى الإيمان، ويجاهد شهوته، دل ذلك على صدق إيمانه وصحته. ومن كان عند ورود الشبهات تؤثر في قلبه شكا وريبا، وعند اعتراض الشهوات تصرفه إلى المعاصي أو تصدفه عن الواجبات، دلَّ ذلك على عدم صحة إيمانه وصدقه.
والناس في هذا المقام درجات لا يحصيها إلا اللّه، فمستقل ومستكثر، فنسأل اللّه تعالى أن يثبتنا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يثبت قلوبنا على دينه، فالابتلاء والامتحان للنفوس بمنزلة الكير، يخرج خبثها وطيبها.
وقال الرازي: (2)
المسألة الخامسة: في التفسير قوله: { أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ } يعني أظنوا أنهم يتركون بمجرد قولهم آمنا وهم لا يفتنون لا يبتلون بالفرائض البدنية والمالية ، واختلف أئمة النحو في قوله: { أَن يَقُولُواْ } فقال بعضهم: أن يتركوا بأن يقولوا ، وقال بعضهم: أن يتركوا يقولون آمنا ، ومقتضى ظاهر هذا أنهم يمنعون من قولهم آمنا ، كما يفهم من قول القائل تظن أنك تترك أن تضرب زيد أي تمنع من ذلك ، وهذا بعيد فإن الله لا يمنع أحدًا من أن يقول آمنت ، ولكن مراد هذا المفسر هو أنهم لا يتركون يقولون آمنا من غير ابتلاء فيمنعون من هذا المجموع بإيجاب الفرائض عليهم .
المسألة السادسة: في الفوائد المعنوية وهي أن المقصود الأقصى من الخلق العبادة والمقصد الأعلى في العبادة حصول محبة الله كما ورد في الخبر « لا يزال العبد يتقرب إلي بالعبادة حتى أحبه وكل من كان قلبه أشد امتلأ من محبة الله فهو أعظم درجة عند الله » لكن للقلب ترجمان وهو اللسان ، وللسان مصدقات هي الأعضاء ، ولهذه المصدقات مزكيات فإذا قال الإنسان آمنت باللسان فقد ادعى محبة الله في الجنان ، فلا بد له من شهود فإذا استعمل الأركان في الإتيان بما عليه بنيان الإيمان حصل له على دعواه شهود مصدقات فإذا بذل في سبيل الله نفسه وماله ، وزكى بترك ما سواه أعماله ، زكى شهوده الذين صدقوه فيما قاله ، فيحرر في جرائد المحبين اسمه ، ويقرر في أقسام المقربين قسمه ، وإليه الإشارة بقوله: { أَحَسِبَ الناس أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا } يعني أظنوا أن تقبل منهم دعواهم بلا شهود وشهودهم بلا مزكين ، بل لا بد من ذلك جميعه ليكونوا من المحبين .
(1) - تفسير السعدي - (ج 1 / ص 626)
(2) - تفسير الرازي - (ج 12 / ص 122)