فهرس الكتاب

الصفحة 946 من 1236

ومما يتسلى به المصاب أن يعلم إن الدنيا دار بلاء وامتحان وهي سجن المؤمن وجنة الكافر، قال ابن الجوزي رحمه الله: ولولا أن الدنيا دار ابتلاء لم تخلق الأمراض والأكدار ولم يضيق العيش على الأنبياء والأخيار، ولقد لزق بهم البلاء وعدموا الراحة، فآدم يعاني المحن إلى أن خرج من الدنيا، وابراهيم يكابد النار وذبح الولد، ويعقوب يبكي حتى ذهب البصر، وموسى يقاسي فرعون ويلقى من قومه المحن، وعيسى لا مأوى له إلا البر، في العيش الضنك، ومحمد يصابر الفقر وفرق الزوجة وقتل من يحبه.

فلا تجزع من البلوى فأنت في وطنها، فالصبر الصبر، ولكن ليس صبر البهائم، بل صبر بدون جزع وضجر، ولكن صبر احتساب وتسليم والرضا بقضاء الله متطلعًا إلى العوض من الله إلى الجزاء، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط، قال علي بن أبي طالب: (من رضي بقضاء الله جرى عليه، وكان له أجر، ومن لم يرض بقضاء الله جرى عليه وحبط عمله) ، فقضاء الله نافذ وأمره واقع، لا راد لقضائه، ولا معقب لحكمه، ولكن العبد هو الذي يربح أو يخسر بحسب رضاه أو سخطه، فالرضا هو باب الله الأعظم وجنة الدنيا ومستراح العابدين، والجزع لايرد المصيبة بل يضاعفها حيث يشمت به أعداؤه ويسوء اصدقاءه ويغضب ربه ويسر شيطانه ويحبط أجره ويضعف نفسه، وفي الترمذي مرفوعًا إلى النبي: (( يود ناس لو أن جلودهم كانت تقرص بالمقاريض لما يرون من ثواب أهل البلاء ) ).

ومما يتسلى به المصاب أن يجعل مكان الأنين والشكوى إلى الخلق ذكر الله تعالى والإستغفار والشكوى إلى الله الواحد القهار، وقد رأى أحد الصالحين أخاه يشكو إلى الخلق فقال له: يا هذا مازدت على إن شكوت من يرحمك إلى من لا يرحمك. والشكوى إلى الله لاتنافي الصبر قال تعالى: إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وقال عنه أيوب: رب إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين .

ومما يتسلى به المصاب أن يوطن نفسه على أن كل مصيبة تأتيه فإنما هي بإذن الله عز وجل وقضائه وقدره فيرضى لها ويسلم قال تعالى: ما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله ومن يؤمن بالله يهد قلبه قال علقمة: هي المصيبة تصيب الرجل فيعلم أنها من عند الله فيسلم لها ويرضى، وقال: (( إن الله كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة ) ).

ثم ليعلم العبد إن الله لم يقدر عليه المصائب ليهلكه بها ولا ليعذبه، وإنما ابتلاه ليمتحن صبره ورضاه وشكره وابتهاله ودعاءه، فإن وفق لذلك ربح ربحًا عظيمًا، وإن خذل خسر خسرانًا مبينًا، والمصيبة كير العبد الذي يسبك بها حاصله، فإما أن يخرج ذهبًا أحمر أو خبثًا كله، فإن لم ينفعه هذا الكير في الدنيا فبين يديه الكير الأعظم: نار الله الحامية يوم القيامة، ولاشك أن كير الدنيا خير له من ذلك الكير، وإنه لابد من أحد الكيرين فليعلم المصاب قدر نعمة الله عليه في الكير العاجل، وقد أقتضت حكمة الله في خلقه أن يعرضهم للاختبار حبًا بهم ورعايته لهم، فيسوق إليهم الرحمة في أثناء المصيبة ليهتدي الضال وينتبه الغافل وتقوم الحجة على الكافرين قال تعالى: أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون ولقد فتنا الذين من قبلهم فليعلمن الله الذين صدقوا وليعلمن الكاذبين قال ابن القيم رحمه الله: إذن فالاختبار ليس عن جهله سبحانه بعبده، ولكن حكمة ذلك في كشف من يدعي الإيمان لنفسه وتجربته أمام عينيه، فيسقط الوهم في أنه عميق الإيمان.

أما الكاذبون فيختبرهم سبحانه ليعيدهم إلى الإيمان تائبين متذكرين نادمين، فإن لم يتوبوا ولم يتذكروا عراهم أمام الناس وخلص صفوف المؤمنين منهم، فالإبتلاء يزيد رجال الإيمان نضوجًا وصلابة، والدعاةَ الصادقين عمقًا وثباتًا، فهو ليس شرًا بالمؤمنين أبدًا لأنه خير يسوقه الله لعباده ليعودوا إليه بعزة الإيمان، ويعودوا إلى ربهم ضارعين يلجأون إليه بقلوب مرتبطة به تذكره وتشكره وتلهج بذكره قوية بالله ثابتة على دينه واعية إليه، لأن الله جل جلاله يريد ذلك منهم، عن صهيب بن منان رضي الله عنه قال: قال رسول الله: (( عجبًا لأمر المؤمن إن أمره كله له خير، وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن، إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له ) ) [رواه مسلم] .

اللهم اجعلنا ممن إذا ابتلي صبر، وإذا أعطي شكر، وإذا أذنب استغفر، اللهم ارزقنا الرضا بقضائك وقدرك، وأجرنا على مصائبنا وارزقنا الاحتساب إبتغاء لوجهك الكريم يا أرحم الراحمين، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم وأتوب إليه، وأستغفر الله للمؤمنين والمؤمنات فتوبوا إلى ربكم واستغفروه إنه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

الحمد لله على إحسانه والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأذكره سبحانه وأوحده تعظيمًا لشأنه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت