فهرس الكتاب

الصفحة 1129 من 1236

ومن كلّ ذلك نستنتج إن غاية الحياة والوجود هي الابتلاء، ومعرفة حقيقة الإيمان به، ومدى تحمّله، والصبر عليه، ومن ثمّ الاستقامة والثبات في السير نحو الهدف التكامليّ للحياة. فحين الابتلاء يعرف الإنسان المؤمن نفسه ويعرف قيمة أخيه المؤمن، وقد قيل في الحكم"عند الشدائد تعرف الاخوان". فالبعض قد تجد منه الطيب والنبل في لسانه، فيعدك بالاخلاص، وتشمّ من كلامه معك روح التفاني والتضحية، ولكن حين الشدة والصعاب لا تلقى منه أدنى شيء مما لقيته في لسانه حين الرخاء واليسر، وربما تلمس منه الكذب في ظروف أخرى غير الشدّة وذلك عندما يرتقي منصبًا، أو يصبح ذا مال وفير بعد فقر أو غير ذلك مما يظهر معدن المرء على حقيقته.

وهكذا فبالتمحيص والابتلاء والفتنة يعرف المؤمنون الصادقون، والرجال الصالحون المخلصون، والمجاهدون حقًّا في سبيل الله، وإلاّ فإنَّ الدين والايمان في السرّاء ليسا إلاّ لعقًا على الألسن كما قال تعالى: ( أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا ءَامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ((العنكبوت/2-3) فبالتمحيص يتميّز الخبيث من الطيب، والمؤمن حقًّا من المنافق.

هدفية الحياة في القرآن

والآن نتناول موضوع الهدفيّة في الحياة من خلال الآيات القرآنية التالية المقتطفة من سورة الأحزاب. قال الله تعالى: (وَاِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّين مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُوحٍ وَاِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِيثَاقًا غَلِيظًا * لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ عَن صِدْقِهِمْ وَأَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا أَلِيمًَا * يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ اِذْ جَآءَتْكُمْ جُنُودٌ فَاَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا * اِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَاِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَاْ * هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا * وَإذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُورًا * وَإِذْ قَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْهُمْ يَآ أَهْلَ يَثْرِبَ لاَ مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ اِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَاهِيَ بِعَوْرَةٍ إِن يُرِيدُونَ إِلاَّ فِرَارًا((الاحزاب/7-13)

الأنبياء طليعة الخلق

فالسياق القرآني يتعرّض هنا للعهود والمواثيق التي أُخذت على أنبياء الله وخاصّة أهل العزم منهم. فالأنبياء والرسل هم قادة الأمم على مرّ الدهور السابقة؛ فهم طليعة الخلق، ولذلك لم يكن العهد الذي أُخذ منهم عهدًا هيّنًا وسهلًا، بل كان عهدًا غليظًا - كما عبّر عنه القرآن - يليق بمقامهم كأنبياء ورسل يقودون الأمم نحو التكامل الانساني.

ثم ينتقل السياق لبيان علّة أخذ الميثاق، فيقول تعالى: (لِيَسْأَلَ الصَّادِقِينَ

عَن صِدْقِهِمْ... ((الاحزاب/8) . فالانسان الصادق إنما يظهر صدقه عندما يفتن ويمحّص فيتبيّن إذا ما كان صادقًا حقًّا أم لا، وقد جاء التأكيد على هذا التمحيص في هذا الحديث الشريف عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليه السلام، حيث قال:"لا تغترّوا بصلاتهم ولا بصيامهم، فانّ الرجل ربما نهج بالصلاة والصوم، حتى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة". (1) فهويّة الإنسان المؤمن تتجلى بصدق الحديث، ومدى ادائه للأمانة.

ثم يستمر السياق الكريم مذّكرًا المؤمنين بما أنعم الله عليهم في أيام الشدائد، وساعات المواجهة الأولى مع الأعداء، إذ يقول تعالى: (يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ....((الاحزاب/9) ، ولعلّ أعظم نعمة يغاث بها الإنسان المؤمن حين الشدة، وساعة الصراع، هي الامداد الإلهي الغيبي.

ثم يمضي السياق ليذكّر المؤمنين بشدّة تلك المواقف الصعبة: (اِذْ جَآءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ...((الاحزاب/10) . فتلك كانت ساعة التمحيص الكبرى، حيث زاغت العيون من شدّة الخوف، وراح المؤمنون يتحشرجون في أنفاسهم وكأن قلوبهم قد انخلعت، حتى ظنّ بعضهم أنّ ربّهم قد خذلهم، وأوقع بهم في المهلكة. وهناك كانت ساعات التمحيص ولحظاته، حيث استخرج الله عز وجل ما خفي في نفوسهم وقلوبهم، وأزال منها ما كان قد علق بها من الأدران والشوائب فأجلاها ونقّاها في هذا الاختبار الصعب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت