فهرس الكتاب

الصفحة 1126 من 1236

وبناءً على ذلك فان الفطرة هي طبيعة الانسجام بين الانسان والطبيعة، واذا كانت الحجب متراكمة على هذه الفطرة فانها سوف لا تنفع الانسان فحسب وإنما تضره، لأن هذه الحجب بإمكانها أن تنفذ الى عمق الفطرة، وتقلب رؤية الانسان.

والتخلف الذي منيت به الأمة الإسلامية اليوم، هو نتيجة الحجب المتراكمة على فطرة أبنائها. ففطرتنا ليست تلك الفطرة التي خلق الله تعالى الناس عليها، ولا تمثل تلك المواهب التي أودعها الله عز وجل في الانسان، والمقاييس والمعايير التي وضعها في قلبه والتي لابد ان تقوم بدور المنسق بين الانسان والطبيعة من حوله. فتلك الفطرة والمواهب والمقاييس قد انحرفت، ولم تقم بدورها الطبيعي، ولذلك نرى أن أمتنا تزداد تخلفًا يومًا بعد آخر، ولا تستطيع أن تقوم بأي دور.

عبادة الماضي سبب التخلف

ومن جملة عوامل وأسباب التخلف عبادة الماضي، والافتخار الكاذب به. فالمجتمع الذي يقلد ماضيه، ويفتخر به بكل ما فيه من ايجابيات وسلبيات، هذا المجتمع يكون عاجزًا عن القيام بأي دور، لأنه ينظر الى الحياة من حوله بمنظار الماضي الذي أكل الدهر عليه وشرب. ولذلك فانه لا يستطيع أن ينسق حركته، فتراه يفسر كل شيء وفق المقاييس السابقة، وهذه مشكلة كبيرة يعاني منها الانسان.

وهكذا فان الذي يريد أن يعالج الأوضاع الحالية من خلال العهود السابقة التي كانت لها ظروفها وملابساتها، وقيمها الخاصة بها، لا يفهم مدى التطور الهائل الذي حدث في عالمنا اليوم والذي يحدث بين لحظة وأخرى؛ فكيف بين سنة وأخرى، وبين مرحلة من الزمان ومرحلة أخرى؟ فالذي يريد أن يسير على حرفية الكلمات التي تفوّه بها المفكرون الاسلاميون قبل عشر سنوات أو خمس عشرة سنة لا يستطيع أن يقرأ لغة العصر، ويعجز عن أن يكيّف تصرفاته وفق الحاجات المتجددة لهذا المجتمع أو ذاك.

إثارة الفطرة حكمة الابتلاء

وعلى هذا فان مشكلة الانسان منذ أن خلقه الله عز وجل وحتى يومنا هذا هي مشكلة إبتعاده عن فطرته، ومحاولته أن ينظر الى الحياة من زوايا جانبية لا بشكل مباشر. فمشكلة الانسان في عصر نوح عليه السلام وعاد وقوم ثمود هي مشكلة اليوم، وهي مشكلة كبرى. فلقد زوّد هذا الانسان بمقياس واحد لكي يكتشف الحياة من حوله، ألا وهو العقل والفطرة. فاذا ما انسحب العقل من العمل، وتغيرت الفطرة، فماذا يبقى للإنسان ؟ لا يبقى له حلّ سوى أن ينسحب هو بدوره.

وعلاج هذه المشكلة هو علاج إلهي من خلال إبتلاء الانسان بالمصائب والمآسي. فالحكمة منها هي إثارة فطرة الانسان، وإعادته الى حالة نقائه وطهره. وبتعبير آخر؛ الى نقطة البداية التي لابد أن يبدأ منها، من خلال إزالة الحجب التي حالت دونه ودون استيعاب الحقائق.

وفي هذا المجال يقول عز من قائل: (وَمَآ أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلآَّ أَخَذْنَآ أَهْلَهَا بِالْبَأْسَآءِ وَالضَّرَّآءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ * ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَاَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَيَشْعُرُونَ * وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى ءَامَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَآءِ وَالاَرْضِ وَلَكِن كَذَّبُوا فَاَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * أَفَاَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَآئِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَاَمِنُوا مَكْرَ اللّهِ فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ(( الاعراف/94-99 )

فهذه الآيات الكريمة تصرح بأن الهدف من أخذ الناس بالسراء والضراء هو أن يضرعوا، والضراعة هي أن يعود الانسان الى حالته الطبيعية والفطرية. وعلى سبيل المثال فان السياسي ينظر الى الحياة من خلال سياسته، والمثقف لا ينظر الى الحياة إلاّ بمنظار ثقافته، ولكن هذا الانسان لابد أن يعود الى الضراعة، والى حالته البشرية واستكانته الى الله سبحانه وتعالى، وازالته لكل العوائق التي تمنعه من الوصول الى القمة.

وهناك الكثير من الأمم التي تنتفع من الضراعة، وهي عادة الأمم التي أصيبت بمشاكل وأزمات سياسية وإجتماعية وحضارية. ولكن البعض من هذه الأمم لا يستفيد حتى من المأساة التي تهز الضمير، وتكشف عن فطرة الانسان؛ ولأنهم وصلوا الى هذه المرحلة من قسوة القلب، فقد جاء الأمر الإلهي بانزال العذاب عليهم، ومحوهم من الوجود.

(ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ ءَابَآءَنَا الضَّرَّآءُ وَالسَّرَّآءُ فَاَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لاَيَشْعُرُونَ((الاعراف/95)

وهكذا فقد اكتسبوا السيئات، فرسمت هذه السيئات المقياس الذي كان لابد أن يكشف لهم عن حقيقة الحياة. فالمآسي والمصائب لم تعدهم الى طبيعتهم، فكانت النتيجة أن انتهوا بكارثة طبيعية نتيجة عدم اعتبارهم بالمأساة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت