والثانية: المحافظةُ على الأمانة بعد تسلُّمِها. من المعلوم أن الشعورَ بقيمة الشيء يتناسبُ تناسبًا طرديًا مع ما يُبذلُ في سبيله، ومسؤوليةُ الخلافةِ وإقامة العدل في الأرض لا يتأتى إلا بالتضحيات والآلام، ولن يحافظَ على هذه الأمانة بعد تسلّمها إلا مَن بَذَل في سبيلها الغاليَ والنفيسَ، وأرخص في سبيلها كلَ عزيز، الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [الحج:41] ، يقول سيد رحمه الله:"وعندئذ تُمحّص الصفوفُ، فيتميز الأقوياء من الضعفاء، وعندئذ تمضي دعوة الحق في طريقها برجالها الذين ثبتوا عليها واجتازوا امتحانها وبلاءها، أولئك هم الأمناء عليها الذين يتحملون تكاليف النصر وتبعاته، وقد نالوا هذا النصر بثمنه الغالي، وأدوا ضريبته صادقين مؤثرين".
والثالثة: تطهيرُ الصفِ من الأدعياءِ. يدعي الإيمانَ بل والغَيرةَ على الدين وقت العافية والسراء كلُ أحد، لكن هذه الدعوى تحتاج إلى دليل وإثبات، فكان الابتلاءُ هو الميزانُ الذي يتميز به الصادقُ من الكاذبِ، والمؤمنُ من المنافق، والطيب من الخبيث، والأصيل من الدخيل، كما قال: مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنْ الطَّيِّبِ [آل عمران:179] ، وقال: وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:3] ، يقول صاحب الظلال:"ولله الحكمة البالغة، فإن بروز المجرمين لحرب الأنبياء والدعوات يقوي عُودها، ويطبعها بطابع الجد الذي يناسب طبيعتها، وكفاح أصحابها هو الذي يميز الدعوات الحقة من الدعاوى الزائفة، وهو الذي يمحص القائمين عليها، ويطرد الزائفين منهم، فلا يبقى بجوارها إلا العناصرُ المؤمنةُ القويةُ المتجردة، التي لا تبغي مغانم قريبة، ولا تريد إلا الدعوة خالصة تبتغي بها وجه الله تعالى".
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ [التوبة:119] .
الخطبة الثانية
ومنها: محبةُ الله لهم ورفعُ درجاتهم. قد يكون الابتلاءُ دليلًا على حب الله للمبتلى وإرادةِ الخيرِ له، فلعل الله يريد أن يُبلغه درجات عاليةً في الجنة، فيبتليه ليبلغه ذلك المقام، أو ليكفّرَ عنه خطاياه، ففي الحديث الذي أخرجه الترمذي عن أنس قال: قال رسول الله: (( إن عظم الجزاء مع عظم الجزاء، وإن الله إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السُخط ) )، وفي الترمذي أيضا عن أنس قال: قال رسول الله: (( إذا أراد الله بعبده خيرًا عجّل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافى به يوم القيامة ) )، وفيه عن أبي هريرة قال: قال رسول الله: (( ما يزال البلاءُ بالمؤمن والمؤمنة في نفسه وولده وماله حتى يلقى الله وما عليه خطيئة ) ).
ولهذا كان الابتلاء مع الاستقامة دليلًا على قوة الإيمان والمكانة عند الله، لا كما يظن الجهلةُ والشامتون أن هذا دليلٌ على خطأ طريقهم وضلالهم، وربما زادوا جهالةً وسفاهةً فاستشهدوا بحال أنفسهم، وقالوا: ها نحن لم نبتلَ، وهذا دليلٌ على صحة طريقنا.
أما الرد على هذه المغالطات فأن يقالَ لهم: قد قال المنافقون الأولون وهم يؤذون سيدَ المرسلين قريبًا من هذا: وَإِذَا جَاءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ، فكان الردُّ حَسْبُهُمْ جَهَنَّمُ يَصْلَوْنَهَا فَبِئْسَ الْمَصِيرُ [المجادلة:8] .
أما الرد الفصلُ على هذه الشبهة أو المغالطة، فهو ما رواه الترمذي عن سعد قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الناس أشدُ بلاءً؟ قال: (( الأنبياء ثم الأمثل ثم الأمثل، فيبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان دينُه صلبًا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقّةٌ ابتلي على حسب دينه، فما يبرحُ البلاءُ بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض ما عليه خطيئةً ) )، فهل يعي الجهلةُ والمتشمتون هذه السنن والمعاني والمعادلات الصعبة التي لا يعقلها إلا المؤمنون؟! وتقديمُ الدليلِ العملي على جدارةِ الدعوة وصدقِِ دُعاتها.
أيها الإخوة، إن هذا الدينَ عجيبٌ، يأتي أعداءه من حيث لم يحتسبوا، فأعداؤه يظنون أن التضييقَ عليه واضطهادَ دعاتِه سيكون مُنفرًا للعامة ومرعبًا للخاصة، فإذا العكس هو الصحيح، اشتدّ عودُ الخاصةِ وأقبل العامةُ، كما قال الله: وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا [النصر:2] .
أما الدعوات الأرضية أو الزائفة فنعم، تتلاشى تحت ضربات أعدائها وتندثر، وفي هذه الأيام قضية حيّة شبيهة يراهن عليها كثيرٌ من المراقبين والمستطلعين للآراء، بأنه لو أجريت انتخابات في ذلك البلد لفاز بها دُعاةُ الإسلام، رغم الاضطهادات التي تعرضوا لها من اللادينيين في ذلك البلد الذي يدعي الديمقراطية.