أقول: رغم هذا الوصف ممن له الخلق والأمر ورغم كل هذه الآيات وغيرِها تَعجبُ كيف يجرؤ بعضُ أبنائه بوصفِ حُكمِ الإسلامِ ومنهجِه بالظلام ووصف دعاتِه بالظلاميين، كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلاَّ كَذِبًا [الكهف:5] .
ويا لها من جراءة بل وقاحة، ولو صدر هذا الطعن من الكفرة لقلنا: ليس بعد الكفر ذنب، ولكنه يصدر ممن يدّعون الإسلام.
وظلم ذوي القربى أشدّ مضاضة…على النفس من وقع الحسام المهند
وصدق المتنبي:
ومن يك ذا فمٍ مرٍّ مريضٍ…يجد مرًا به الماءَ الزّلالا
بل صدق اللهُ تعالى: وَمَنْ لَمْ يَجْعَلْ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ [النور:40] ، وأنى لمن يحاربُ النورَ الرباني أن يكون له نورٌ؟!
أتدري متى سيدركُ هؤلاء أنهم هم الظلاميون، إن لم يتوبوا ويعودوا إلى إسلامهم؟! سيدركون ذلك يوم يطلبون بذلّ ومهانة ممن يتهمونهم بالظلامية أن ينتظروهم، لماذا؟ ليقتبسوا من نورهم يوم تُطفأ أنوارُ جميعِ المخادعين، سبحان الله! يقتبسوا من نور من كانوا يسمونهم ظلاميين!! نعم استمع وتأمل: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمْ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمْ الأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ [الحديد:12-14] .
أيها الإخوة، إن المسلمَ ليحارُ ـ ما لم يدركْ حِكمةَ الله ـ عندما يرى أولياءَ الله وقد تسلط عليهم أعداءُ الله من الكفرة المجاهرين والمنافقين المخادعين، يسومونهم سوء العذاب، ويضعون العراقيل أمام مشروعهم الإسلامي، لا عقوبة من الله على تقصير منهم في طاعتة وإن لم يخْلُ، بل لأنهم مطيعون له وصادقون، وتزدادُ حَيرتُه ليقينه بعدل الله تعالى وعلمه بأنه لا يظلم أحدًا، وأنه سبحانه أغيرُ على دينه من دعاته، بل من أنبيائه الذين تعرضوا حتى للقتل من أعدائهم، أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنفُسُكُمْ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ [البقرة:87] .
أضف إلى ذلك أن الله بيده مقاليدُ كلِ شيء، ولا يعجزه شيءٌ في الأرض ولا في السماء، وأمره بين الكاف والنون، إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82] ، ومع ذلك لم يعاجلْ الصادينَ عن دينه والمحاربين لأوليائه، الأمر الذي زاد المؤمنَ حَيرةً إلا أن يكون مدركًا لِحِكَمِ الله فلا تزيده إلاّ يقينًا وتسليمًا، كما قال: وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إِلاَّ إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا [الأحزاب:22] ، وهذا الوضعُ كذلك زادَ الكافرين تماديًا وتكذيبًا، وزاد المنافقين اضطرابًا وتشككًا، لذلك لا بد من بيان بعضِ حكم الابتلاء عمومًا، والابتلاء من أجل دين الله ودعوته خصوصًا.
أولها: الإعدادُ الحقيقيُ لتحمل الأمانة. إن أيَ عَملٍ كلما كان دقيقًا أو معقدًا كان المرء محتاجًا إلى بذل جهد أكبر في الإعدادِ له والتدربِ من أجله، ولمّا كان العمل لدين الله يتميّز بأنه عملٌ متنوعٌ وواسعٌ ومستمرٌ ومسؤولية الفرد فيه تزداد يومًا بعد يوم، بل مسؤوليتُه بعد الانتصار أعظمُ منها قبل ذلك؛ كان لا بد له من إعدادٍ خاصٍ مكافئٍ لضخامة هذا العمل؛ ولذلك شاء الله أن يخضعَ المؤمنون وفي مقدمتهم الأنبياءُ لصنوف من الاختباراتِ الصعبة والتدريباتِ الشاقةِ لتحمل المسؤولية الكبرى، مسؤوليةِ الاستخلافِ في الأرض والتمكينِ لدين الله وإقامةِ العدل، ولأن التمكين وعد من الله فلا بد للأمة من ميلاد، ولا بد للميلاد من مخاض، ولا بد للمخاض من آلام، كما يقول سيد رحمه الله.
فمنذ أن أذن الله بصحوة الأمة من غفلتها ومِن لامبالاتها بدينها بدأ حملُها، وبدأت معه آلامُ الحمل، هل رأيت حملًا بلا آلام أو ولادةً بلا مَخاض؟! هذه واحدة فاعقلها.