فلما رأى كفار قريش أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لن يهون أمام تهديداتهم ولن يلين أمام إغراءاتهم وأن عمه أبا طالب قد قام دونه وحماه , وأن أتباعه يتمسكون بدعوته بقوة ويزيد عددهم بسرعة ذهب بعض أشرافهم إلى عمه أبي طالب لبيان أمره والشكوى منه .
قال محمد بن إسحاق رحمه الله: فلما بادى رسول الله صلى الله عليه وسلم قومه بالإسلام وصدع به كما أمره الله لم يبعد منه قومه ولم يردوا عليه - فيما بلغني - حتى ذكر آلهتهم وعابها , فلمافعل ذلك أعظموه ( [1] ) وناكروه وأجمعوا خلافه وعداوته إلا من عصم الله تعالى منهم بالإسلام وهم قليل مستخفون .
وحَدِب على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمه أبو طالب ومنعه وقام دونه , ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على أمر الله مظهرًا لأمره لايرده عنه شيء ,فلما رأت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لايُعتبهم ( [2] ) من شيء أنكروه من فراقهم وعيب آلهتهم ورأوا أن عمه أبا طالب قد حَدبَ عليه وقام دونه فلم يسلمه لهم مشى رجال من أشراف قريش إلى أبي طالب-وذكر أسماءهم - فقالوا: ياأبا طالب إن ابن أخيك قد سب آلهتنا وعاب ديننا وسفه أحلامنا وضلل آباءنا , فإما أن تكفه عنا وإما أن تخلي بيننا وبينه فإنك على مثل مانحن عليه من خلافه فنكفيكه , فقال لهم أبو طالب قولًا رقيقًا وردهم ردًّا جميلًا فانصرفوا عنه .
قال: ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على ماهو عليه يظهر دين الله ويدعو إليه , ثم شرى الأمر بينه وبينهم حتى تباعد الرجال وتضاغنوا , وأكثرت قريش ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم بينها فتذامروا فيه, وحض بعضهم بعضًا عليه ثم إنهم مشوا إلى أبي طالب مرة أخرى فقالوا له: يا أبا طالب إن لك سنًّا وشرفًا ومنزلة فينا , وإنا قد استنهيناك من ابن أخيك فلم تنهه عنا , وإنا والله لانصبر على هذا من شتم آبائنا وتسفيه أحلامنا وعيب آلهتنا حتى تكفه عنا أو ننازله وإياك في ذلك حتى يَهلَك أحد الفريقين - أو كما قالوا - ثم انصرفوا عنه فعظم على أبي طالب فراق قومه وعداوتهم , ولم يطب نفسًا بإسلام رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا خذلانه.
قال ابن إسحاق: وحدثني يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس أنه حُدِّث أن قريشًا حين قالوا لأبي طالب هذه المقالة بعث إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له: ياابن أخي إن قومك قد جاؤوني فقالوا لي كذا وكذا , للذي كانوا قالوا له فَأَبْقِ عليّ وعلى نفسك ولاتُحَمِّلني من الأمر مالا أطيق.
قال: فظن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قد بدا لعمه فيه بَدَاء ( [3] ) وأنه خاذله ومُسْلِمه وأنه قد ضعف عن نصرته والقيام معه , فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: ياعم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله أو أهلك فيه ماتركته .
قال: ثم استعبر رسول الله صلى الله عليه وسلم فبكى , ثم قام , فلما ولَّى ناداه أبو طالب فقال: أقبل يا ابن أخي , قال:فأقبل عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: اذهب يا ابن أخي فقل ما أحببت فو الله لاأسلمك لشيء أبدًا ( [4] ) .
وأخرجه الأئمة البخاري في التاريخ الكبير والحاكم والبيهقي , وذكره الهيثمي من رواية الطبراني وأبي يعلى بنحوه , كلهم من حديث عقيل بن أبي طالب رضي الله عنه وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم حلَّق ببصره إلى السماء فقال: فما أنا بأقدر على أن أدع ذلك منكم على أن تستشعلوا منها شعلة, فقال أبو طالب: والله ماكذَّبتُ ابن اخي قط فارجعوا .
وقال الحافظ الهيثمي: ورجال أبي يعلى رجال الصحيح ( [5] ) وذكره الحافظ ابن حجر وقال: هذا إسناد صحيح ( [6] ) .
في هذا الخبر بيان لشدة المواجهة وعنف المقاومة التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يلقاها من قومه , حيث استخدم أشراف قومه مختلف الوسائل للتأثير على عمه أبي طالب ليرفع عنه حمايته , فذكَّروه بشرف الآباء والأجداد وهو من المقتنعين بالتمسك بما عليه الأسلاف وذكروه بقدسية الآلهة وهو ممن يعظمونها , ثم هددوه بالحرب بينهم وبينه وهو ممن يكره ذلك , كما حاولوا التلطف معه بالثناء عليه فذكروا شرفه ومنزلته فيهم ليؤثروا عليه فيستجيب لشكايتهم .
ولقد كان موقفًا صعبًا ومحرجًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم أن يوقع عمه الذي ناصره وحماه في هذا المأزق المحرج , حيث بقي أبو طالب في حيرة من أمره فهو لايريد أن يبادىَ قومه بالعداء ولكنه أيضًا لايريد أن يُسْلم رسول الله صلى الله عليه وسلم لهم ولا أن يخذله , ولكن إخراج عمه من هذا المأزق يقتضي أن يتنازل عن دعوته وأن يوافق الكفار على تعظيم الأصنام وتفخيم ميراث الآباء وهذا أمر مستحيل , لذلك كان موقف النبي صلى الله عليه وسلم حازمًا وحاسمًا حينما استدعاه عمه وفاوضه في التنازل عن دعوته الكاملة إبقاء عليه وعلى نفسه , حيث بين لعمه أن هذا مستحيل كاستحالة إنزال الشمس والقمر ووضعهما في يديه صلى الله عليه وسلم .