فهل كان الإمام علي عليه السلام ينتظر الشهادة وهو قابع في بيته؟! كلاّ وألف كلاّ؛ فقد كان الإمام أمير المؤمنين لا تفوته فائتة في إثبات ولهه وحبه وعشقه الذي لا يوصف لله ولرسوله وللمؤمنين الصادقين. فهو الأول في كل معركة، والأول في نصرة المظلومين ودعم الفقراء وتوفير الرخاء والسعادة لأبناء دينه، حتى تلك المعارك التي كان يقودها بنفسه، كان ينتظر الشهادة في سوح الوغى، حتى أنّه تنبّه الى رجل من أصحابه في معركة صفين كان يريد حمايته من حيث لا يعلم، فقال له عليه السلام:"ويحك أمن أهل السماء تحرسني أم من أهل الأرض؟ قال: لا؛ بل من أهل الأرض. قال: إن أهل الأرض لا يستطيعون بي شيئًا إلاّ بإذن الله عز وجل من السماء، فارجع، فرجع" (1) وهذا يعني فيما يعني أنّ أمير المؤمنين كان ينتظر الشهادة بشجاعته وبطولاته ومواقفه الرافضة قولًا وعملًا لكل الانحرافات.
ونحن أيضًا ننتظر ظهور الإمام الحجة بن الحسن عجل الله فرجه، ولكن كيف ينبغي أن يكون إنتظارنا؟ هل ننتظره من بيوتنا؟ أم ننتظره بالكلام المجرّد؟
الفريضة الشرعية والعقلية تؤكد علينا أن الانتظار لا يعني سوى الإعداد والتحرك والانطلاق نحو تأدية الواجبات حتى آخر لحظة من لحظات عمرنا. فالانتظار مفهوم أساسي من مفاهيم مدرسة أهل البيت عليهم السلام، ومن اللازم أن نختزل أبعاده وحقائقه، وأن نحوّله الى قيمة حياتية وسيرة جهادية في حاضر الأمة ومستقبلها.
وليس مفهوم الاستقامة ببعيد عن مفهوم الانتظار، فمن يريد أن يكون فوق السطح، لا يمكنه القفز إليه مرّة واحدة. فالصعود المفاجئ يلحقه سقوط مفاجئ أيضًا، إنما عليه الصعود مرحلة مرحلة. والأمة التي تريد أن تستقيم على الحق وتنتصر له، وتريد أن تكون أمة مجاهدة لها وزنها وثقلها الإيجابي في التأريخ، لابدّ لها من السعي لتحقيق تلك المفردات التي بدورها تحقق الاستقامة. وبتعبير آخر؛ علينا أن نتساءل عن طبيعة الاستقامة؟ وكيف يمكن ان تستقيم الأمة؟ وما هي الثقافة التي لابدّ للأمة من التسلّح بها حتى تستقيم على الطريق؟ وكيف يمكننا تحقيق وتكريس هذه الثقافة في أنفسنا وفي أمتنا؟
وفي معرض الإجابة على هذه التساؤلات المثيرة، أعددت على عجل ثلاث إجابات تمثّلها ثلاث مفردات أساسية؛ فهي بمثابة المراحل أو الدرجات التي ينبغي أن نعرج عبرها لنصل الى قمّة الاستقامة.
المفردة الأولى: الأمل، والنظرة التفاؤلية الى المستقبل؛ باعتبار أن التشاؤم واليأس والقنوط أحد جنود الشيطان، ولا يمكن لهذا الأخير بأيّ حال من الأحوال أن يبثّ ما فيه الخير لابن آدم، فهو - الشيطان - الذي يوسوس في الصدور. ومن هنا كان لزامًا على المسلمين تحديد موقفهم الاعتقادي والعملي من قضية الإحباط، مع تكريس إيمانهم بأن طريق ذات الشوكة هو طريقهم، وبالتالي فإن من الطبيعي للغاية أن تكون الصعاب والتضحيات والتحديات هي المعلم الأوضح في سيرتهم وكدحهم. وهذه هي صفحات التأريخ بين أيدينا وأمام نواظرنا، ومن الممكن لنا التدقيق فيها وتحليلها بوعي، ولن ننتهي إلى نتيجة سوى أنّ الأمل والتحدّي وتقديم التضحيات ونبذ اليأس والإحباط من شأنه النهوض بمستوى الأمة وتوجيه مسيرتها نحو الأفضل، تمامًا كما هو واضح من خلال مطالعة السيرة الذاتية والاجتماعية لأهل البيت عليهم السلام وأولادهم الطاهرين الذين حملوا راية الاستقامة والعدل ورفعوا هذه الراية في كل مكان، بدءً بالعراق والجزيرة العربية ومرورًا ببلاد المشرق الإسلامي، وعودًا الى بلاد المغرب الاسلامي. ونحن رأينا ولا نزال نرى أنّ الثورات والانتفاضات إنّما تقدح شرارتها باسم الدين وباسم أبطاله العظام وفي مقدمتهم أهل البيت عليهم السلام، ولعلّ كل قطرة من دماء الشهداء الذين حافظوا على الدين أصبحت أساسًا للمساجد وبيوت الله التي هي في الواقع الأعمدة المحافظة على الأرض أن تميد بأهلها، وقد جاء في الحديث الشريف عن الإمام الكاظم عليه السلام:"فما من مسجد بني إلاّ على قبر نبي أو وصيّ نبيّ". (1) وهكذا تحولت دماء الشهداء إلى مسيرة ايمانية، من طبيعتها ان تعكس مصداقيّة التفاؤل والأمل بالله الكبير الذي له وحده فقط رسم مقدّرات خليقته والقضاء فيهم وعليهم. وهذا الأمل يجسّد عمق الانتظار، وهذا هو معنى التسليم والشكر في العقيدة الإسلامية؛ الشكر الذي يركّز على الجوانب الإيجابية في الحياة ولا ينسى أو يتناسى السعي الواعي الى حلّ وتلافي السلبيّات.