والحزن والفرح المنهيّ عنهما هما اللذان يتعدّى فيهما إلى ما لا يجوز؛ قال الله تعالى: { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } أي متكبر بما أوتي من الدنيا ، فخور به على الناس . وقراءة العامة «آتَاكُمْ» بمد الألف أي أعطاكم من الدنيا . واختاره أبو حاتم . وقرأ أبو العالية ونصر بن عاصم وأبو عمرو «أَتَاكُمْ» بقصر الألف واختاره أبو عبيد . أي جاءكم ، وهو معادل ل «فَاتَكُمْ» ولهذا لم يقل أفاتكم . قال جعفر بن محمد الصادق: يا بن آدم ما لك تأسى على مفقود لا يردّه عليك الفوت ، أو تفرح بموجود لا يتركه في يديك الموت . وقيل لبرزجمهر: أيها الحكيم! ما لك لا تحزن على ما فات ، ولا تفرح بما هو آت؟ قال: لأن الفائت لا يتلافى بالْعَبْرَةِ ، والآتي لا يستدام بالحَبْرَةِ . وقال الفضيل بن عِياض في هذا المعنى الدنيا مُبِيد ومُفِيد؛ فما أباد فلا رجعة له ، وما أفاد آذن بالرحيل . وقيل: المختال الذي ينظر إلى نفسه بعين الافتخار ، والفخور الذي ينظر إلى الناس بعين الاحتقار ، وكلاهما شِرك خفيّ . والفخور بمنزلة المُصَرَّاةِ تُشَدّ أخلافهما ليجتمع فيها اللبن ، فيتوهم المشتري أنّ ذلك معتاد وليس كذلك؛ فكذلك الذي يرى من نفسه حالًا وزينةً وهو مع ذلك مدّع فهو الفخور
وقال الرازي (1) :
قال الزجاج: إنه تعالى لما قال: { سَابِقُواْ إلى مَغْفِرَةٍ } [ الحديد: 21 ] بين أن المؤدي إلى الجنة والنار لا يكون إلا بقضاء وقدر ، فقال: { مَا أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } والمعنى لا توجد مصيبة من هذه المصائب إلا وهي مكتوبة عند الله ، والمصيبة في الأرض هي قحط المطر ، وقلة النبات ، ونقص الثمار ، وغلاء الأسعار ، وتتابع الجوع ، والمصيبة في الأنفس فيها قولان: الأول: أنها هي: الأمراض ، والفقر ، وذهاب الأولاد ، وإقامة الحدود عليها والثاني: أنها تتناول الخير والشر أجمع لقوله بعد ذلك: { لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا ءاتاكم } [ الحديد: 23 ] ثم قال: { إِلاَّ فِي كتاب } يعني مكتوب عند الله في اللوح المحفوظ وفيه مسائل:
المسألة الأولى: هذه الآية دالة على أن جميع الحوادث الأرضية قبل دخولها في الوجود مكتوبة في اللوح المحفوظ . قال المتكلمون: وإنما كتب كل ذلك لوجوه أحدها: تستدل الملائكة بذلك المكتوب على كونه سبحانه وتعالى عالمًا بجميع الأشياء قبل وقوعها وثانيها: ليعرفوا حكمة الله فإنه تعالى مع علمه بأنهم يقدمون على تلك المعاصي خلقهم ورزقهم وثالثها: ليحذروا من أمثال تلك المعاصي ورابعها: ليشكروا الله تعالى على توفيقه إياهم على الطاعات وعصمته إياهم من المعاصي . وقالت الحكماء: إن الملائكة الذين وصفهم الله بأنهم هم المدبرات أمرًا ، وهم المقسمات أمرًا ، إنما هي المبادىء لحدوث الحوادث في هذا العالم السفلي بواسطة الحركات الفلكية والاتصالات الكوكبية ، فتصوراتها لانسياق تلك الأسباب إلى المسببات هو المراد من قوله تعالى: { إِلاَّ فِي كتاب } .
المسألة الثانية: استدل جمهور أهل التوحيد بهذه الآية على أنه تعالى عالم بالأشياء قبل وقوعها خلافًا لهشام بن الحكم ، ووجه الاستدلال أنه تعالى لما كتبها في الكتاب قبل وقوعها وجاءت مطابقة لذلك الكتاب علمنا أنه تعالى عالمًا بها بأسرها .
المسألة الثالثة: قوله: { وَلاَ فِي أَنفُسِكُمْ } يتناول جميع مصائب الأنفس فيدخل فيها كفرهم ومعاصيهم ، فالآية دالة على أن جميع أعمالهم بتفاصيلها مكتوبة في اللوح المحفوظ ، ومثبتة في علم الله تعالى ، فكان الامتناع من تلك الأعمال محالًا ، لأن علم الله بوجودها مناف لعدمها ، والجمع بين المتنافيين محال ، فلما حصل العلم بوجودها ، وهذا العلم ممتنع الزوال كان الجمع بين عدمها وبين علم الله بوجودها محالًا .
المسألة الرابعة: أنه تعالى لم يقل: إن جميع الحوادث مكتوبة في الكتاب ، لأن حركات أهل الجنة والنار غير متناهية ، فإثباتها في الكتاب محال ، وأيضًا خصص ذلك بالأرض والأنفس وما أدخل فيها أحوال السموات ، وأيضًا خصص ذلك بمصائب الأرض والأنفس لا بسعادات الأرض والأنفس ، وفي كل هذه الرموز إشارات وأسرار ، أما قوله: { مّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَا } فقد اختلفوا فيه ، فقال بعضهم: من قبل أن نخلق هذه المصائب ، وقال بعضهم: بل المراد الأنفس ، وقال آخرون: بل المراد نفس الأرض ، والكل محتمل لأن ذكر الكل قد تقدم ، وإن كان الأقرب نفس المصيبة لأنها هي المقصود ، وقال آخرون: المراد من قبل أن نبرأ المخلوقات ، والمخلوقات وإن لم يتقدم ذكرها إلا أنها لظهورها يجوز عود الضمير إليها كما في قوله: { إِنَّا أنزلناه } [ يوسف: 2 ] .
(1) - تفسير الرازي - (ج 15 / ص 238)