فهرس الكتاب

الصفحة 248 من 1236

ثم قال تعالى: { إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ } وفيه قولان: أحدهما: إن حفظ ذلك على الله هين ، والثاني: إن إثبات ذلك على كثرته في الكتاب يسير على الله وإن كان عسيرًا على العباد ، ونظير هذه الآية قوله: { وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلاَّ فِي كتاب إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } [ فاطر: 11 ] .

لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آَتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ (23)

وفيه مسائل:

المسألة الأولى: هذه اللام تفيد جعل أول الكلام سببًا لآخره ، كما تقول: قمت لأضربك فإنه يفيد أن القيام سبب للضرب ، وههنا كذلك لأنه تعالى بين أن إخبار الله عن كون هذه الأشياء واقعة بالقضاء والقدر ، ومثبتة في الكتاب الذي لا يتغير يوجب أن لا يشتد فرح الإنسان بما وقع ، وأن لا يشتد حزنه بما لم يقع ، وهذا هو المراد بقوله عليه السلام: « من عرف سر الله في القدر هانت عليه المصائب » وتحقيق الكلام فيه أن على مذهب أهل السنة أن وقوع كل ما وقع واجب ، وعدم كل ما لم يقع واجب أيضًا لأسباب أربعة أحدها: أن الله تعالى علم وقوعه ، فلو لم يقع انقلب العلم جهلًا ثانيها: أن الله أراد وقوعه ، فلو لم يقع انقلبت الإرادة تمنيًا ثالثها: أنه تعلقت قدرة الله تعالى بإيقاعه ، فلو لم يقع لانقلبت تلك القدرة عجزًا ، رابعها: أن الله تعالى حكم بوقوعه بكلامه الذي هو صدق فلو لم يقع لانقلب ذلك الخبر الصدق كذبًا ، فإذن هذا الذي وقع لو لم يقع لتغيرت هذه الصفات الأربعة من كمالها إلى النقص ، ومن قدمها إلى الحدوث ، ولما كان ذلك ممتنعًا علمنا أنه لا دافع لذلك الوقوع ، وحينئذ يزول الغم والحزن ، عند ظهور هذه الخواطر وهانت عليه المحن والمصائب ، وأما المعتزلة فهب أنهم ينازعون في القدرة والإرادة ، ولكنهم يوافقون في العلم والخير ، وإذا كان الجبر لازمًا في هاتين الصفتين ، فأي فرق بين أن يلزم الجبر بسبب هاتين الصفتين وبين أن يلزم بسبب الصفات الأربع ، وأما الفلاسفة فالجبر مذهبهم ، وذلك لأنهم ربطوا حدوث الأفعال الإنسانية بالتصورات الذهنية والتخيلات الحيوانية ، ثم ربطوا تلك التصورات والتخيلات بالأدوار الفلكية التي لها مناهج مقدرة ، ويمتنع وقوع ما يخالفها ، وأما الدهرية الذين لا يثبتون شيئًا من المؤثرات فهم لا بد وأن يقولوا بأن حدوث الحوادث اتفاقي ، وإذا كان اتفاقيًا لم يكن اختياريًا ، فيكون الجبر لازمًا ، فظهر أنه لا مندوحة عن هذا لأحد من فرق العقلاء ، سواء أقروا به أو أنكروه ، فهذا بيان وجه استدلال أهل السنة بهذه الآية ، قالت المعتزلة: الآية دالة على صحة مذهبنا في كون العيد متمكنًا مختارًا ، وذلك من وجوه الأول: أن قوله: { لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ } يدل على أنه تعالى إنما أخبرهم بكون تلك المصائب مثبتة في الكتاب لأجل أن يحترزوا عن الحزن والفرح ، ولولا أنهم قادرون على تلك الأفعال لما بقي لهذه اللام فائدة والثاني: أن هذه الآية تدل على أنه تعالى لا يريد أن يقع منهم الحزن والفرح وذلك خلاف قول المجبرة: إن الله تعالى أراد كل ذلك منهم والثالث: أنه تعالى قال بعد هذه الآية: { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } وهذا يدل على أنه تعالى لا يريد ذلك لأن المحبة والإرادة سواء ، فهو خلاف قول المجبرة: إن كل واقع فهو مراد الله تعالى الرابع: أنه تعالى أدخل لام التعليل على فعله بقوله: { لّكَيْلاَ } وهذا يدل على أن أفعال الله تعالى معللة بالغرض ، وأقول: العاقل يتعجب جدًا من كيفية تعلق هذه الآيات بالجبر والقدر وتعلق كلتا الطائفتين بأكثرها .

المسألة الثانية: قال أبو علي الفارسي قرأ أبو عمرو وحده: { بِمَا ءاتاكم } قصرًا ، وقرأ الباقون: { ءاتاكم } ممدودًا ، حجة أبي عمرو أن: { آتَاكُمُ } معادل لقوله: { فَاتَكُمْ } فكما أن الفعل للغائب في قوله: { فَاتَكُمْ } كذلك يكون الفعل للآني في قوله: { بِمَا ءاتاكم } والعائد إلى الموصول في الكلمتين الذكر المرفوع بأنه فاعل ، وحجة الباقين أنه إذا مد كان ذلك منسوبًا إلى الله تعالى وهو المعطي لذلك ، ويكون فاعل الفعل في: { ءاتاكم } ضميرًا عائدًا إلى اسم الله سبحانه وتعالى والهاء محذوفة من الصلة تقديره بما آتاكموه .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت