فهرس الكتاب

الصفحة 249 من 1236

المسألة الثالثة: قال المبرد: ليس المراد من قوله: { لّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَا آتاكم } نفي الأسى والفرح على الإطلاق بل معناه لا تحزنوا حزنًا يخرجكم إلى أن تهلكوا أنفسكم ولا تعتدوا بثواب على فوات ما سلب منكم ، ولا تفرحوا فرحًا شديد يطغيكم حتى تأشروا فيه وتبطروا ، ودليل ذلك قوله تعالى: { والله لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ } فدل بهذا على أنه ذم الفرح الذي يختال فيه صاحبه ويبطر ، وأما الفرح بنعمة الله والشكر عليها فغير مذموم ، وهذا كله معنى ما روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: ليس أحد إلا وهو يفرح ويحزن ولكن اجعلوا للمصيبة صبرًا وللخير شكرًا . واحتج القاضي بهذه الآية على أنه تعالى لا يريد أفعال العباد والجواب عنه أن كثيرًا من أصحابنا من فرق بين المحبة والإرادة فقال: المحبة إرادة مخصوصة ، وهي إرادة الثواب فلا يلزم من نفي هذه الإرادة نفي مطلق الإرادة .

وفي التفسير الوسيط (1) :

{ مَآ } فى قوله - تعالى - { مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ } نافية ، و { مِن } مزيدة لتأكيد هذا النفى وإفادة عمومه . ومفعلو"أصاب"محذوف . وقوله { فِي الأرض } إشارة إلى المصائب التى تقع فيها من فقر وقحط ، وزلازل .

وقوله: { وَلاَ في أَنفُسِكُمْ } للإشارة إلى ما يصيب الإنسان في ذاته ، كالأمراض ، والهموم .

والاستثناء في قوله - تعالى -: { إِلاَّ فِي كِتَابٍ } من أعم الأحوال ، والمراد بالكتاب: اللوح المحفوظ ، أو علمه - عز وجل - الشامل لكل شىء .

وقوله: { نَّبْرَأَهَآ } من البرء - بفتح الباء - بمعنى الخلق والإيجاد ، والضمير فيه يعود إلى النفس ، أو إلى الأرض ، أو إلى جميع ما ذكره الله - تعالى - من خلق المصائب في الأرض والأنفس .

والمعنى: واعلموا - أيها المؤمنون علما يترتب عليه آثاره من العمل الصالح - أنه ما أصابكم أو ما أصاب أحدا مصيبة ، هذه المصيبة كائنة في الأرض - كالقحط والزلازل - أو في أنفسكم - كالأسقام والأوجاع - إلا وهذه المصائب مسجلة في كتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها . . . وهذا التسجيل كائن من قبل أن نخلق هذه الأنفس ، وهذه المصائب .

وكرر - سبحانه - حرف النفى في قوله { وَلاَ في أَنفُسِكُمْ } للإيماء إلى أن المصائب التى تتعلق بذات الإنسان ، يكون أشد تأثرا واهتماما بها ، أكثر من غيرها .

واسم الإشارة في قوله: { إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ } يعود إلى الكتابة في الكتاب .

أى: إن ذلك الذى أثبتناه في لوحنا المحفوظ وفى علمنا الشامل لكل شىء . . . قبل أن نخلقكم ، وقل أن نخلق الأرض . . . يسير وسهل علينا ، لأن قدرتنا لا يعجزها شىء ، وعلمنا لا يعزب عنه شىء .

فالآية الكريمة صريحة في بيان أن ما يقع في الأرض وفى الأنفس من مصائب - ومن غيرها من مسرات - مكتوب ومسجل عند الله - تعالى - قبل خلق الأرض والأنفس .

وخص - سبحانه - المصائب بالذكر ، لأن الإنسان يضطرب لوقوعها اضطرابا شديدا ، وكثيرا ما يكون إحساسه بها ، وإدراكه لأثرها ، أشد من إحساسه وإدركه للمسرات .

ومن الآيات التى تشبه هذه الآية في معنها قوله - تعالى -: { قُل لَّن يُصِيبَنَآ إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا هُوَ مَوْلاَنَا وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون } ثم بين - سبحانه - الحكم التى من أجلها فعل ذلك فقال: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ على مَا فَاتَكُمْ وَلاَ تَفْرَحُواْ بِمَآ آتَاكُمْ } .

فاللام في قوله: { لِّكَيْلاَ تَأْسَوْاْ . . . } متعلقة بحذوف . وقوله: { تَأْسَوْاْ } من الأسى ، وهو الحزن والضيق الشديد . يقال: أسى فلان على كذا - كفرح - فهو يأسى أسى ، إذا حزن واغتم لما حدث ، ومنه قوله - تعالى - حكاية عن شعيب - عليه السلام -: { فتولى عَنْهُمْ وَقَالَ ياقوم لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالاَتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسى على قَوْمٍ كَافِرِينَ } أى: فعلنا ما فعلنا من إثبات ما يصيبكم في كتاب من قبل خلقكم ، وأخبرناكم بذلك ، لكى لا تحزنوا على ما أصابكم من مصائب حزنا يؤدة بكم إلى الجزع ، وإلى عدم الرضا بقضاء الله وقدره ولكى لا تفرحوا بما أعطاكم الله - تعالى - من نعم عظمى وكثيرة . . . . فرحا يؤدى بكم إلى الطغيان وإلى عدم استعمال نعم الله - تعالى - فيما خلقت له . . . فإن من علم ذلك علما مصحوبا بالتدبر والاتعاظ . . . هانت عليه المصائب ، واطمأنت نفسه لما قضاه الله - تعالى - وكان عند الشدائد صبورا ، وعند المسرات شكورا .

ورحم الله صاحب الكشاف فقد قال عند تفسيره لهذه الآية: يعنى: أنكم إذا علمتم أن كل شىء مقدر مكتوب عند الله ، قل أساكم على الفائت ، وفرحكم على الآتى ، لأن من علم أن ما عنده مفقود لا محالة ، لم يتفاقم جزعه عند فقده ، لأنه وطن نفسه على ذلك ، وكذلك من علم أن بعض الخير واصل إليه ، وأن وصوله لا يفوته بحال ، لم يعظم فرحه عند نيله .

فإن قلت: فلا أحد يملك نفسه عند مضرة تنزل به ، ولا عند منفعة ينالها ، أن لا يحزن ولا يفرح؟

(1) - الوسيط لسيد طنطاوي - (ج 1 / ص 4099)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت