فهرس الكتاب

الصفحة 238 من 1236

وقال السيد رحمه الله (1) :

وفي الآية الأولى يتجلى عدل الله ، وتتجلى رحمته بهذا الإنسان الضعيف . فكل مصيبة تصيبه لها سبب مما كسبت يداه؛ ولكن الله لا يؤاخذه بكل ما يقترف؛ وهو يعلم ضعفه وما ركب في فطرته من دوافع تغلبه في أكثر الأحيان ، فيعفو عن كثير ، رحمة منه وسماحة .

وفي الآية الثانية يتجلى ضعف هذا الإنسان ، فما هو بمعجز في الأرض ، وما له من دون الله من ولي ولا نصير . فأين يذهب إلا أن يلتجئ إلى الولي والنصير؟

وقال القرطبي (2) :

قوله تعالى: { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } قرأ نافع وابن عامر «بمَا كَسَبَتْ» بغير فاء . الباقون «فَبِمَا» بالفاء ، واختاره أبو عبيد وأبو حاتم للزيادة في الحرف والأجر . قال المهدَوِيّ: إن قدرت أن «ما» الموصولة جاز حذف الفاء وإثباتها ، والإثبات أحسن . وإن قدرتها التي للشرط لم يجز الحذف عند سيبويه ، وأجازه الأخفش واحتج بقوله تعالى: { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [ الأنعام: 121 ] . والمصيبة هنا الحدود على المعاصي؛ قاله الحسن . وقال الضحاك: ما تعلّم رجل القرآن ثم نسيه إلا بذنب؛ قال الله تعالى: { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } ثم قال: وأيّ مصيبة أعظم من نسيان القرآن؛ ذكره ابن المبارك عن عبد العزيز بن أبي روّاد . قال أبو عبيد: إنما هذا على الترك ، فأما الذي هو دائب في تلاوته حريص على حفظه إلا أن النسيان يغلبه فليس من ذلك في شيء . ومما يحقق ذلك أن النبيّ صلى الله عليه وسلم كان ينسى الشيء من القرآن حتى يذكره؛ من ذلك حديث عائشة عن النبيّ صلى الله عليه وسلم: سمع قراءة رجل في المسجد فقال:"ما له رحمه الله! لقد أذكرني آيات كنت أنسيتها من سورة كذا وكذا"وقيل: «ما» بمعنى الذي ، والمعنى الذي أصابكم فيما مضى بما كسبت أيديكم . وقال عليّ رضي الله عنه: هذه الآية أرجى آية في كتاب الله عز وجل . وإذا كان يكفّر عني بالمصائب ويعفو عن كثير فما يبقى بعد كفارته وعفوه! وقد روى هذا المعنى مرفوعًا عنه رضي الله عنه ،"قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: ألاَ أخبركم بأفضل آية في كتاب الله حدّثنا بها النبي صلى الله عليه وسلم { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ } الآية: «يا عليّ ما أصابكم من مرض أو عقوبة أو بلاء في الدنيا فبِما كسبت أيديكم . والله أكرم من أن يثني عليكم العقوبة في الآخرة وما عفا عنه في الدنيا فالله أحلم من أن يعاقب به بعد عفوه» "وقال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبيّ صلى الله عليه وسلم:"ما من اختلاج عِرْق ولا خَدْش عُود ولا نكبة حجر إلاّ بذنب ولما يعفو الله عنه أكثر"وقال الحسن: دخلنا على عمران بن حُصين فقال رجل: لا بد أن أسألك عما أرى بك من الوجع؛ فقال عمران: يا أخي لا تفعل! فوالله إني لأحِبّ الوجع ومن أحبه كان أحبّ الناس إلى الله ، قال الله تعالى: { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } فهذا مما كسبت يدي ، وعَفْوُ ربي عما بقي أكثر .

وقال مُرَّة الْهَمْداني: رأيت على ظهر كف شُريح قُرحة فقلت: يا أبا أمية ، ما هذا؟ قال: هذا بما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير . وقال ابن عَون: إن محمد بن سِيرين لما ركبه الدَّين اغتم لذلك فقال: إني لأعرف هذا الغم ، هذا بذنب أصبته منذ أربعين سنة . وقال أحمد بن أبي الحَوَارِي قيل لأبي سليمان الدّاراني: ما بال العقلاء أزالوا اللوم عمن أساء إليهم؟ فقال: لأنهم علموا أن الله تعالى إنما ابتلاهم بذنوبهم ، قال الله تعالى: { وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُواْ عَن كَثِيرٍ } . وقال عِكرمة: ما من نكبة أصابت عبدًا فما فوقها إلا بذنب لم يكن الله ليغفره له إلا بها أو لينال درجة لم يكن يوصّله إليها إلا بها . وروي أن رجلًا قال لموسى: يا موسى سل الله لي في حاجة يقضيها لي هو أعلم بها؛ ففعل موسى؛ فلما نزل إذ هو بالرجل قد مزّق السّبْع لحمه وقتله؛ فقال موسى: ما بال هذا يا رب؟ فقال الله تبارك وتعالى له: يا موسى إنه سألني درجة علمت أنه لم يبلغها بعمله فأصبته بما ترى لأجعلها وسيلة له في نيل تلك الدرجة . فكان أبو سليمان الدَّارَاني إذا ذكر هذا الحديث يقول: سبحان من كان قادرًا على أن ينيله تلك الدرجة بلا بلوى! ولكنه يفعل ما يشاء .

(1) - في ظلال القرآن - (ج 6 / ص 325)

(2) - الجامع لأحكام القرآن للقرطبي - (ج 1 / ص 4960)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت