رابعا: ومن ذلك أيضا التربية الصحيحة للنفس، تربية إيمانية علمية واعية قائمة على الدليل الصحيح، منافية للتقليد، ولكي ندرك أهمية هذا الأمر لنعُد على سيرة رسول الله، ولنسأل أنفسنا: ما مصدر ثبات صحابته رضوان الله عليهم؟ كيف ثبت بلال وخبيب ومصعب وآل ياسر وغيرهم من المستضعفين وحتى كبار الصحابة في حصار الشعب ذلك العقاب الجماعي أو تحت التعذيب الفردي؟ هل يمكن أن يكون ثباتهم بغير تربية عميقة من مشكاة النبوة صقلت شخصياتهم؟! فهذا خباب بن الأرت كانت مولاته تحمي أسياخ الحديد حتى تحمر ثم تطرحه عليها عاري الظهر، فلا يطفئها إلا شحم ظهره حين يسيل عليها، ما الذي جعله يصبر على هذا كله؟! وبلال تحت الصخرة في الرمضاء، وسمية في الأغلال والسلاسل، فهل يتبصر المسلمون مثل هذه الثلة المشرفة والأنوار المضيئة؟!
خامسًا: من عوامل الثبات أيضا الحرص على أن يسلك المسلم في هذه الحياة الطريق المستقيم خالصًا لله ومتبعًا هدي رسول الله بهمة عالية تربي فيها نفسك كما تربي النبته الصغيرة.
والنفس كالطفل إن تتركه شبّ على *** حبّ الرضاع وإن تفطمه ينفطم
سائرًا إلى الله بقصد وتأني، فقليل دائم خير من كثير منقطع، ومع ذلك تقف مع نفسك محاسبًا ولتقصيرها معاتبًا ولإقبالها مشجعًا.
سادسًا: الالتفاف حول من يعينك على الثبات والإقبال على طاعة الله من جليس صالح وجماعة معينة ومنهج مثبّت على الطريق، فإن من الناس أناسا مفاتيح للخير مغاليق للشر، فابحثوا عن العلماء والصالحين والدعاة المؤمنين الذين هم كالنجوم في الليلة الظلماء، بهم يهتدي الضالون، فإخوانكم الصالحون هم العون لكم في الطريق والركن الشديد الذي تأوون إليه، فيثبتونكم بما معهم من آيات الله والحكمة، فألَفوهم وعيشوا في كنفهم، وإياكم والوحدة فتتخطفكم شياطين الإنس والجن.
سابعًا: البصيرة وفهم الواقع وعرض كل صغير وكبير على شرع الله، وأن تعرف الباطل وأن لا تغتر به، ( لاَ يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُواْ فِي الْبِلاَدِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ ) [آل عمران: 196، 197] .
فوالله، إن الباطل وأهله ضعفاء جبناء، أصول مخططاتهم أوهى من بيت العنكبوت، ويتبين ذلك كله لمن رزقه الله بصيرة واعية وحكمة نافذة وعلمًا نافعًا، ومع ذلك كله يجب أن نثق بنصر الله للمؤمنين، وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى [مريم: 76] ، ( إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ ) [غافر: 51] .
وكذلك العلم بأن المستقبل للإسلام والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، وهذا هو العامل الثامن من عوامل الثبات على دين الله.
تاسعًا: تقوى الله ولزوم الاستغفار؛ فإنهما خير معين على الثبات، ( وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ ) [الطلاق: 2، 3] .
وأخيرًا إخوة الإسلام، إن كل تلك الوسائل فقيرة ومحتاجة إلى الالتجاء إلى الله، فعليكم بالإكثار من الدعاء في كل حين ووقت بأن يثبتكم الله على دينه أن لا يفتنكم، فقد كان - عليه الصلاة والسلام - يكثر من قول: (( اللهم يا مقلب القلوب، ثبت قلوبنا على دينك ) ).
أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، ( إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ نُزُلًا مِّنْ غَفُورٍ رَّحِيمٍ ) [فصلت: 30-32] .
بارك الله لي ولكم في القرآن العظيم، ونفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم، أقول ما تسمعون، وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه، إنه هو الغفور الرحيم.
الخطبة الثانية
الحمد لله على إحسانه، والشكر له على توفيقه وامتنانه، وأصلي وأسلم على خير خلقه أجمعين، نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد: أخي المسلم، وصيتي إليك أن تحفظ نفسك، وأن تحفظ من ولاك الله عليهم من أزواج وذرية، وأن تنجو بهم من هذا البحر المتلاطم من فتن الشهوات ومن فتن الشبهات مما نراه في واقعنا من تساهل كثير من أولياء الأمور بإحضار ما فيه فتن إلى بيوتهم من دشوش وغيرها مما يأجج فتن الشهوات ومما يزعزع ركائز الإيمان من فتن الشبهات، وإنه لنذير شؤم وعلامة خطر على مجتمعنا المسلم الذي وجّه الشرق والغرب الكافر على طمس هويته، فاحذروا ـ أحبتي في الله ـ ذلك، وتذكروا قول النبي: (( ما من راع يسترعيه الله رعيه يموت يوم يموت وهو غاش لرعيته إلا حرم الله عليه الجنة ) ).
ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا، وهب لنا من لدنك رحمة، إنك أنت الوهاب، اللهم احفظنا بالإسلام واحفظ ذرارينا واحفظ مجتمعاتنا من كل كائد ومن كل مفسد، اللهم حبب إلينا الإيمان، وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.