عبادَ الله، إنّه لم يَكن عَجبًا أن ينهَجَ رَسول الله هذَا النهجَ هو وَالنبيّون من قَبلِه وأتباعه مِن بعده؛ فإنّهم يستَيقِنون أنَّ الله تعالى لم يَكتُب هذهِ السّنّةَ على العبدِ لِيهلكَه أو يقتلَه، أو يوردَه الموارد حتّى تضيق عليه نفسُه وتضيق عليه الأرضُ بما رحُبت وتورِثه فسادَ الحالِ في العاجلة وسوءَ المآلِ في الآجِلة، وإنّما كتبَها لحِكَمٍ عظيمة وفَوائدَ جليلةٍ ومقاصدَ جميلة تكاد تَربو على الحصرِ وتجِلّ عن العَدِّ، فمِن ذلك أنَّ هذه البَلايا إنّما جاءَت ليَمتَحِن الله بها صَبرَ عبدِه وليَبتَليَه فيتبيَّن حينئذٍ صَلاحُه لأن يكونَ مِن أوليائِه وحِزبِه المفلِحين، فإن ثَبتَ للخطوبِ وصَبر علَى البَلاء اصطَفَاه واجتباه، وخَلعَ عَليه خِلَع الإكرَام، وألبسَه ألبِسةَ الفضل، وكساهَ حُللَ الأجرِ، وغشَّاه أَغشيةَ القَبول، وختم له بخاتمةِ الرّضوان، وجعل أوليَاءَه وحِزبَه خدمًا لَه وعونًا. وإنِ انقلبَ على وجهه ونَكَص على عَقِبيه طُرد وأقصِي، وحُجِب عنه الرِّضا، وكُتب عليه السّخط، وتضاعفت عليه أثقال البلاء، وهَزمَته جيوشُ الشقاء، وهو لا يشعرُ بِتضاعُفٍ ولاَ هزيمة، لكنّه يَعلم بعد ذَلك أنَّ المصيبةَ صارَت في حقِّهِ مَصائب، وما بَين هاتَين المنزِلَتين: منزلةِ الصّبر ومنزلةِ السّخَط ـ كما قال الإمام ابن القيِّم رحمه الله ـ صبرُ ساعة وتشجيعُ القَلبِ في تِلكَ السّاعة، والمصيبَةُ لاَ بدَّ أن تقلِع عن هذا وهذا، ولكن تُقلِعُ عن هذا بأنواعِ الكراماتِ والخَيرات، وعن الآخَرِ بالحِرمان والخِذلان؛ لأنَّ ذلك تقديرُ العزيز العليم، وفضلُ الله يُؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. انتهى كلامه يرحمه الله (3) [3] .
فعطاءُ الصبر إذًا هو خيرُ مَا يُعطى العبد من عطاءٍ كما جاء في الصّحيحين عن أبي سعيدٍ الخدريّ رضي الله عنه أنَّ رسولَ الله قال: (( ما أُعطيَ أحدٌ عطاءً خيرًا وأَوسعَ من الصّبر ) ) (4) [4] .
ومِن حِكَم الابتلاء ـ أيّها الإخوة ـ تحقيقُ العبوديّة لله، فإنَّ الله تَعالى يُربِّي عَبدَه على السّرّاء والضّرّاءِ والنّعمةِ والبلاء، حتّى يستَخرجَ منه العبوديّة في جميعِ الأحوال، إذِ العبدُ على الحقيقةِ هو القائمُ بعبوديّة الله على اختِلافِ أحوالِه، أمّا عبدُ النِّعمة والسّرّاء وهُو الذي يعبُد اللهَ على حرفٍ، هو الشّكّ والقَلقُ والتّزلزل في الدّين، أو على حالٍ واحدة، فإِن أصابَه خيرٌ اطمأنّ به، وإن أصابَته فتنةٌ انقلبَ على وجهِه، فهذا ليسَ من عبيده الذين اختارَهم سبحانه لعُبوديّته وشرَّفهم بها ووَعدَهم بحسنِ العاقبةِ عليها.
فالابتلاء ـ يا عبادَ الله ـ كيرُ القلوب ومحَكُّ الإيمان وآيةُ الإخلاصِ ودَليل التّسليم وشاهدُ الإِذعانِ للهِ، وهُو كالدّواء النّافع يسوقه إلى المريضِ طبيبٌ رَحيمٌ به ناصحٌ له عَليمٌ بمصلَحتِه، فحقُّ المريضِ العاقِل الصبرُ علَى تجرّع صابِهِ وعَلقمِه، ولا يتقيَّؤُه بالسّخَط والشّكوَى لئلاّ يتحوَّل نفعُه ضَررًا، فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [النساء:19] .
فعَلى المسلمِ عندَ نزولِ البلاءِ أن يكونَ صابرًا على الخطوب قائمًا بأمر الله محتسِبًا أجرَه عند الله.
ألا وإنَّ للصبر على البلاء أسبابًا تعين عليه وتذلِّل السّبيلَ إليه، منها صِدقُ اللّجوء إلى الله، وكمالُ التوكّل عليه، وشدّة الضّراعة إليه، وتمامُ الإنابة إليه، وصِدقُ التّوبَة بهجرِ الخطايا والتّجافي عنِ الذنوب، فقد قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: (ما نزَلَ بلاءٌ إلا بذَنب، ولا رُفِع إلا بتوبة) (5) [5] .
وأيضًا عليه تحسينُ الظنِّ بالإخوَة في الدّينِ عَامّة وبِأهلِ العِلم والفضلِ خاصّة؛ بحملِ أقوالِهم وأعمَالِهم على أَحسنِ المحامِل وأجملِها، وعليه الرّجوع إلى الراسخين في العلم باستيضَاحِ ما يُشكل والسّؤالِ عما يُجهَل.
وعَليه الحذرُ مِن الإعجاب بالرّأي، والبعدُ عَن التعجّل في إطلاقِ الأحكَام، والتسرّع في تفسير المواقف بمجرّد الهوى أو بالوقوعِ تحتَ تأثير ما يُسمَّى بالتّحليلات على اختِلافِ موضوعاتِها وتعدُّد مصَادرِها، لا سيّما حين تصدُر عَمّا لا يُعلَم كمالُ عقلِه ولا صِحّة مُعتقَده ولا سَلامَة مقصده ولا صِدق نصيحَتِه ولا صَفاءُ طويّته، ثم هي في الأعمّ الأغلَب علَى المصَالِح والمطَامِح والأهوَاء، ولذا يَشيعُ فيها الكَذِب والخطَأ والظلم.