أيّها المسلِمون، عندَما يَنزِل البَلاء وتحُلّ المِحَن وتدلهمّ الخطوب وتَعُمّ الرزايا تَضطرِب أفهامُ فَريقٍ مِنَ النّاس، وتلتاثُ عُقولُهم، وتطيش أحلامُهم، فإذَا بِهم يذهَلون عَن كثيرٍ منَ الحقّ الذي يَعلَمون، ويَنسَون منَ الصّواب ما لا يجهَلون، هنالك تقَع الحَيرة ويثور الشّكّ وتروج سوقُ الأقاوِيل وتُهجَر الحقائق والأصولُ وتُتَّبع الظّنون وما تهوى الأنفس ويُحكَم على الأمورِ بغير علمٍ ولا هدًى ولا كتاب منير، ففي غَمرةِ الغفلةِ يَنسَى المرءُ أنَّ سنةَ الله في الابتلاءِ مَاضيةٌ في خَلقِه، وأنَّ قضاءَه بها نافِذٌ فيهم، وكيفَ ينسَى ذلك وهو يَتلو كتابَ ربِّه بالغداةِ والعَشيّ، وفيه بيانُ هذه الحقيقةِ بجلاءٍ لاَ خفاءَ فيه ووضوحٍ لا مزيدَ عليه، حيث قال سبحانَه: الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُواْ أَن يَقُولُواْ ءامَنَّا وَهُمْ لاَ يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُواْ وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت:1-3] ، وقال عزّ اسمه: لَتُبْلَوُنَّ فِى أَمْوالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ ذالِكَ مِنْ عَزْمِ الأمُورِ [آل عمران:186] ، وقال تبارك وتعالى: وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْء مّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مّنَ الأمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صلاتٌ مّن رَّبْهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ [البقرة:155-157] ، وقال تقدّست أسماؤه: وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ [محمد:31] .
إنّها ـ يا عبادَ الله ـ سنَّة ربانيّةٌ عامّة لم يَستَثنِ الله منها أَنبياءَه ورسُلَه مع علوِّ مقامِهم وشرفِ منزلتِهم وكرمِهم على ربّهم، بل جعَلهم أشدَّ الناس بلاءً كما جاءَ في الحديثِ الذي أخرجَه التّرمذيّ والنّسائيّ وابن ماجه في سننهم وأحمد في مسنده وابن حبّانَ في صحيحه بإسنادٍ صحيحٍ عن سعدِ بنِ أبي وقّاص رضي الله عنه أنّه قال: قلت: يا رسول الله، أيُّ الناسِ أشدُّ بلاءً؟ فقال رسولُ الله: (( أشدُّ النّاس بلاءً الأنبياء، ثمّ الأمثَلُ فالأمثل، يُبتلَى الرجل على حسَب دينِه، فإن كان في دِينِه صلبًا اشتَدَّ بلاؤه، وإن كان في دِينه رِقَّة ابتُلِي على قدرِ دينِه، فما يبرَح البَلاءُ بالعبدِ حتّى يَتركَه يمشِي علَى الأرض ومَا عَليه خَطيئة ) ) (1) [1] .
وقد نَزَل برسولِ الله مِن هذا البَلاءِ ما هو مَعلومٌ لكلِّ مَن وقَف على طَرَفٍ من سيرتِه وتأمَّل شيئًا من أَخبارها، وحَسبُكم ما نَاله مِن أذَى قومِه، وتكذيبِهم له، واستِهزائِهم به، وصَدِّهم النّاسَ عن سَبيلِه، وحملِهم لَه على مُفارقةِ وطَنه ومُبارحةِ أرضِه، وإعلانِ الحرب عليه، وتأليبِ النّاسِ حتى يُناصِبوه العداءَ ويَرموه عن قوسٍ واحدة، وغَزوِهم دارَ هِجرتِه ومَقرَّ دَولتِه ومأمنَ أهلِه وصَحابتِه للقضاءِ عليه ووَأدِ دينِه واستئصالِ شَأفَته، وممالأةِ أعدائِه من اليهود والمنافِقين في المدينة عليه، وكيدِ هَؤلاء له، ومكرِهم به، ونقضِهم ميثاقَهم الذي وَاثَقهم به، والتحالفِ [مع] المشركين على حربه، وسعيِهم إلى قتله غِيلة وغدرًا، بعدَما استَيأسوا من بلوغِ ما يرِيدون في ساحاتِ الوَغى وميادين النِّزال، فكَان مَثَلُه صَلَوات الله وسَلامه عليه كَمَثلِ مَن سبَقه على دربِ الابتِلاء من إخوانِه النّبيّين ثابِتًا للمحن، صابرًا على البَلاء، مجاهدًا في الله حقَّ جِهادِه حتّى أتاه نصرُ الله وفتحُه، ودَخَل النّاس في دِين الله أَفواجًا، وغَمَرت أَنوارُ الإيمان القلوب، فلحِق بربّه ومَضى إلى خالقِه رَاضيًا مرضيًّا، طيِّبَ النّفسِ قَريرَ العين، تارِكًا في أمّتِه مِن بعدِه شيئين ما إن تمسَّكوا بهما لن يضلّوا بعده أبدًا: كِتابَ اللهِ وسنّته عليه الصلاة والسلام كَما صَحّ بذَلك الحَديث (2) [2] .