فهرس الكتاب

الصفحة 979 من 1236

وعليه أيضًا الحذر من الإعجاب بالرأي، والبعدُ عن التعجّل في إطلاقِ الأحكام، وعن التسرّع في تفسير المواقف بمجرّد الرّأي أو بالوقوع تحت تأثير ما يسمَّى بالتّحليلات على اختلافِ موضوعاتِها وتعدُّد مصادرِها، لا سيّما حين تصدُر عمّن لا يُعلَم كمالُ عقلِه ولا صحّة معتقَده ولا سلامَة مقصده ولا صِدق نصيحتِه ولا صفاءُ طويّته، ثم هي ـ أي: هذه التحليلات ـ مبنيّة في الأعمّ الأغلَب على المصالِح والمطامِح والأهوَاء، ولذا يشيعُ فيها الكذِب والخطأ والظلم. ويجبُ أيضًا تركُ القيل والقال الذي كرِهه الله لعبادِه كما أخبر بذلك رسول الله بقوله في الحديث الصحيح المتّفق عليه بين الشّيخين عن المغيرة بن شعبة رضي الله عنه أنّ رسول الله قال: (( إنَّ الله تعالى حرَّم عليكم عقوقَ الأمّهات ووأدَ البنات ومنعًا وهات، وكرِه لكم قيل وقال وكثرةَ السؤال وإضاعةَ المال ) ) (6) [6] ، ويدخل فيه التحديثُ بكلِّ ما يسمعُه المرء، فقد زجرَ النبي عن ذلك في الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه عن أبي هريرة رضي الله عنه أنّه صلوات الله وسلامه عليه قال: (( كفى بالمرء كذبًا أن يحدّث بكل ما سمع ) ) (7) [7] ، وفي لفظٍ لأبي داودَ في سننِه بإسنادٍ صحيح: (( كفى بالمرء إِثمًا أن يحدِّث بكلِّ ما سمِع ) ) (8) [8] .

وإنَّه إذا كان حَريًّا بالمسلم اتِّباعُ هذا النّهج الراشدِ السديد كلَّ حين فإنَّ اتباعَه له في أوقاتِ الشّدائدِ وأزمِنة المِحن أشدُّ تأكّدًا وأقوى وجوبًا، وصدق سبحانه وتعالى إذ يقول: أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ ءامَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ [البقرة:214] .

نفَعني الله وإيّاكم بهديِ كتابه وبسنّة نبيّه ، أقول قولي هذا، وأستغفر الله العظيم الجليل لي ولكم ولسائر المسلمين من كل ذنب فاستغفروه، إنّه هو الغفور الرحيم.

الخطبة الثانية

إنّ الحمدَ لله نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيِّئات أعمالنا، من يهدِه الله فلا مضلَّ له، ومن يضلِل فلا هاديَ له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنَّ نبيَّنا محمّدًا عبده ورسوله، اللهمَّ صلِّ عليه وعلى آله وصحبِه، وسلِّم تسليمًا كثيرًا.

أمّا بعد: فيا عبادَ الله، اتّقوا اللهَ واعلَموا أنّكم ملاقوه، وراقبوه وتوكّلوا عليه، وأخلِصوا له، وحقِّقوا توحيدَكم، فإنَّ توحيدَ العبدِ ربَّه صمامُ الأمان وضمانُ الفوز وأصلُ السعادةِ وسببُ دخولِ الجنّة والنّجاة من النّار.

واعلموا أنَّ خيرَ الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد بن عبد الله، وشرّ الأمور محدثاتها، وكلّ محدثة بدعة، وكلّ بدعة ضلالة، وكلّ ضلالة في النّار، وعليكم بالجماعة، فإنَّ يد الله على الجماعة، ومن شذّ شذّ في النار.

ثمّ اعلموا أنَّ الله تعالى قد أمركم في كتابه الكريم بالصلاة والسلام على خاتم النبيّين وإمام المتقين ورحمة الله للعالمين، فقال سبحانه في الكتاب المبين: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِىّ ياأَيُّهَا الَّذِينَ ءامَنُواْ صَلُّواْ عَلَيْهِ وَسَلّمُواْ تَسْلِيمًا [الأحزاب:56] .

اللهم صلِّ وسلِّم على عبدك ورسولك محمّد، وارضَ اللهمّ عن خلفائه الأربعة...

(1) أخرجه أحمد (1/185) ، والترمذي في الزهد (2398) ، وابن ماجه في الفتن (4022) وغيرهم، وقال الترمذي:"حديث حسن صحيح"، وصححه ابن حبان (2900) ، والحاكم (1/40، 41) ، والضياء في المختارة (1056) ، ورمز له السيوطي بالصحة وعزاه من بين ما عزاه للبخاري، قال المناوي في الفيض (1/519) :"وعزوه إلى البخاري تبع فيه ابن حجر في ترتيب الفردوس، قيل: ولم يوجد فيه"، وصححه الألباني في السلسلة الصحيحة (143) .

(2) وهو قوله: (( تركت فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا: كتاب الله وسنتي ) )، أخرجه مالك في الموطأ: كتاب الجامع (1661) بلاغًا، ووصله الحاكم (1/93) ، والدارقطني (4/245) ، وابن عبد البر في التمهيد (24/331) ، والبيهقي (10/114) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال ابن عبد البر:"وهذا محفوظ معروف مشهور عن النبي صلى الله عليه وسلم عند أهل العلم شهرة يكاد يستغنى بها عن الإسناد"، ثم ذكر له شواهد، وصححه ابن حزم في الإحكام (6/243) ، وحسن الألباني إسناد الحاكم في مشكاة المصابيح (186) ، وانظر: السلسلة الصحيحة (4/361) .

(3) طريق الهجرتين (ص417) .

(4) أخرجه البخاري في الزكاة (1469) ، ومسلم في الزكاة (1053) .

(5) انظر: طريق الهجرتين (ص415) . وروي من كلام العباس في دعائه لما طلب منه عمر بن الخطاب رضي الله عنهما أن يستسقي لهم، عزاه الحافظ في الفتح (2/497) للزبير بن بكار في الأنساب وسكت عنه. وروي من كلام عمر بن عبد العزيز، انظر: مجموع الفتاوى (8/163) .

(6) أخرجه البخاري في الاستقراض (2408) ، ومسلم في المساجد (593) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت